شهر رمضان والصيام فرصة لضبط الأخلاق لأن الصوم عبادة والعبادات هدفها الأسمى هو ضبط الأخلاق وإلا فإن العبادات تصبح تمارين رياضية لا فائدة منها، فالصلاة مثلاً تضبط الخلق، قال تعالى: «وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر» سبحان الله إذا من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر كانت صلاته تمارين فلقد صلى ولكن لن يتحسن خلقه.
والصوم كذلك يضبط الأخلاق، قال صلى الله عليه وسلم «إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم».
فليس الصيام حرماناً مؤقتاً من بعض الأطعمة والاشربة إنما هو خطوة لحرمان النفس من شهواتها المحظورة لأن الإنسان فيه قوة شهوانية وقوة غضبه وقوة شيطانه وهو بالصوم يستطيع أن يقلم أظافر هذه القوى جميعها.
فأنت أيها الصائم قد تعودت وضبطت أخلاقك قرابة الثلاثين يوماً أفلا تستطيع أن تستمر على أخلاق رمضان بقية العام ولما لا وقد خرجت من رمضان بشحنة إيمانية كبيرة والإيمان القوي يلد الخلق القوي، حتى قال صلى الله عليه وسلم للرجل الذي جاءه ذات يوم يذكر له امرأة كثيرة الصلاة كثيرة الصيام كثيرة الصدقة غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها فقال: هي في النار ثم قال يا رسول الله فلانة تذكر من قلة الصلاة والصيام وأنها تتصدق بالأثوار من الأقط ـ قطع الجبن ـ إلا أنها لا تؤذي جيرانها فقال: هي في الجنة.
إن في إجابة رسول الله صلى الله عليه وسلم تقدير لقيمة الخلق العالي. فحسن الخلق دليل على كمال الإيمان، قال صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً». وقال أيضاً: «أحسن الناس إسلاماً أحسنهم خلقاً».
إنها كلمات قليلة لكنها تحمل معاني عظيمة فهيا يا أخي وقد تحسنت أخلاقك في رمضان أن تحسنها على طول الزمان لأن حسن الخلق أثقل شيء يوضع في الميزان.
قال صلى الله عليه وسلم: «ما من شيء أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من حسن الخلق».
فحسن الخلق يقربك من الله ويقربك أيضاً من الرسول صلى الله عليه وسلم فأي فضيلة أعظم من أن تكون قريباً من الله.
جاء وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله من أحب عباد الله إلى الله تعالى؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «أحسنهم خلقاً» فهل بعد حب الله حب، فماذا ستفعل بعدما علمت أن حسن الخلق يجعلك أقرب العباد إلى الله؟
أيضاً حسن الخلق يقربك من رسول الله في الآخرة قال صلى الله عليه وسلم: «إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحسنكم أخلاقاً».
سيكون هناك تفاوت في قربنا للنبي صلى الله عليه وسلم لكن أقربنا منه مجلساً أحسننا أخلاقاً. أخي انتبه! سوء الخلق يفقدك جزءا من إيمانك وأنت المفلس يوم القيامة. قال صلى الله عليه وسلم: «أتدرون ما المفلس؟ قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وضرب هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا.. فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته حتى إذا فنيت حسناته أخذ سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار».
لقد جاءنا الرسول صلى الله عليه وسلم بالمفهوم الجديد للإفلاس الذي ليس بعده ربح أبداً والعجز الميزاني الذي لا يسد وقوع المرء تحت طائلة المقاضاة التي لا تنتهي أمام الخصوم، التي لا تتنازل عن حقها ولا تتراجع عن دعواها في المحكمة التي لا تؤجل قضاياها ولا تستأنف أحكامها ولا ينقض إبرامها مع التنفيذ الفوري لما يصدر عنها، والوصول إلى دار لا يفك أسيرها ولا يستغني فقيرها ولا يهدأ سعيرها، حرها شديد وقعرها بعيد قوتها الزقوم وشرابها الصديد.
فانظر كيف نفر النبي صلى الله عليه وسلم من سوء الأخلاق فإني أدعوك أيها المفلس أن تحسن خلقك.
فهيا ارفع أكف الضراعة إلى الله فأنت الصائم والصائم له دعوة لا ترد فادع الله أن يحسن أخلاقك كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ويقول: «اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت»، فمع أنه الرسول صلى الله عليه وسلم الذي كانت بعثته تتميماً لمكارم الأخلاق.
راية المحرزي
