من أنواع الصدق الوفاء بالوعد سواء كان ذلك مع الله أو مع الناس، فعن عبد الله بن أبى الحمساء قال: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم ببيع قبل أن يبعث . وبقيت له بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه، فنسيت، ثم ذكرت بعد ثلاث فجئت فإذا هو في مكانه فقال صلى الله عليه وسلم: (يافتى : لقد شققت علي، أنا ها هنا منذ ثلاث أنتظرك) والوفاء من الصفات الطيبة التي تجعل الوفي موضع الثقة وتكسبه النجاح والظفر، وهو يعتبر من الصفات التي يفخر به المتمدنون ويعدونه من أسباب رقى المجتمع وتقدمه.
والإسلام يوجبه ويفرضه فإذا وعد وعداً وأخلفه دون أن يكون له عذر فهو آثم ومتصف بصفة من صفات النفاق. ويقول الشيخ سيد سابق إنه قد يستهتر المرء بفضيلة الصدق والوفاء بالوعد ويستلذ الكذب من أجل أن يضحك الناس. والإسلام ينهى عن ذلك درءاً للمفاسد، وسداً لذريعة اتخاذ الكذب عادة، لو في مثل هذه الحالة التي ليس فيها إضراراً بأحد، لا في نفس ولا مال، ولا في عرض.
والإسلام يدعو إلى التثبيت فيما يقوله الإنسان ويحكيه. وذلك يقتضى ألا يحدث بكل ما يسمع فإن من الأخبار ما هو صادق، ومنها ما هو كاذب فإذا حدث بكل ما سمع فلا يأمن من الوقوع في الكذب. روى مسلم عن أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع). فالإسلام يحرم الكذب، ويجعله من أقبح الذنوب وأفحشها. ولكنه مع ذلك يستثني بعض الحالات من هذه القاعدة كأن يتحقق من الكذب مصلحة من المصالح، كالكذب في الحرب، أو كان من أجل الصلح بين المتخاصمين، سواء أكانوا أفراداً أم جماعات أم أمماً أو كان بين الزوجين .
فإن الحرب خدعة وبمجرد إعلانها ينتهي التفاهم بين المتحاربين وفى خداع العدو والتغرير به والكذب عليه كسر شوكته وتحطيم قوته وفى ذلك مصلحة كبرى تعلو على كثير من المصالح. وفى الصلح بين المتخاصمين إصلاح ذات البين وتوحيد الكلمة، وتقوية الصف، وذلك مقصد من المقاصد التي يحرص عليها الإسلام ولو تحقق بنقل الكلام على غير وجهه كأن يقول لكل من الخصمين كلاما حسنا يؤلف به القلوب ولو كان مخالفاً للحقيقة. والمحافظة على الانسجام في البيت، وتقوية روابط الأسرة غاية من الغايات التي يستباح من أجل الحصول عليها تجاوز الصدق.
رجاء علي