هم أول المتواجدين على المائدة الرمضانية وأكثر المتطلبين لمختلف أنواع الطعام والحلويات، فشكوى وتذمر الطفل الصائم تسمع مع بداية اليوم لحين إطلاق مدفع الصوم، الذي يأتي رحمةً للأهل من الجوع والعطش وإزعاج الصغير الصائم المتربع بفخر على المائدة لإنجازه العظيم وصبره الكبير، الذي يعبر عنه بأسلوب فُكاهي تارةً وتعاطفي تارةً أخرى، لا يسعنا فيهما إلا أن نبتسم رغم معرفتنا حقيقة إدعائه الصيام!

وبسؤالنا لعدد من الأطفال وأولياء أمورهم عن تجربتهم مع الصوم قال عمر خطاب ذو العشرة أعوام إن ما يدفعه للصيام هو تواجد الطعام المنوع في المائدة والشراب المثلج والحلويات اللذيذة، إضافة إلى أن صيامه يجلب له تعاطف كل العائلة وتشجيعهم ومديحهم له ولإرادته القوية. أما دينا عبد الرازق ذات التسع سنوات فتصر على أنها صامت منذ أول يوم في رمضان إلى غاية الآن، ولم تغش أو تختلس اللقيمات أو المياه لسد جوعها لأنها تعلم أن الله يراها، وهي تصوم من اجل الخالق عز وجل ليدخلها الجنة ويسدد خطاها في مدرستها لتبقى المتفوقة الأولى دائماً.

وعن موزة سالم ذات السبع سنوات وتجربتها الحديثة مع الصيام، فهي كما تراها مرهقة لأنها تذهب المدرسة وتحس بعطشٍ كبير لذلك فهي تقوم بشرب الماء واكل ساندويش الجبنة في الفرصة المدرسية، ثم تكمل صيامها الذي يتخلله أيضا استراحة فترة الظهيرة بكوب ماء وصحن من البطاطا المقلية، لتكمل حتى أذان المغرب صيامها وتجلس على رأس الطاولة بجانب والدها تردد خلفه أدعية الإفطار وتتناول التمر واللبن وتصلي معهم.

تغاضٍ مدروس

يقول سعيد علي موظف في الاتصالات وأب لأربعة أبناء صغار، إنه تعود حث أبنائه على الصيام منذ الصغر، على مبدأ من شب على شيء شاب عليه خاصة في أمور الدين كالصلاة والصوم، فما أن يصل أحد أبنائه لسن السابعة حتى يقوم ببدء حملة الترغيب والتثقيف البسيط بماهية الصوم وفضائله المعززة بقصص عن الأنبياء وعن أهم أحداث شهر رمضان.

ويشير سعيد أنه يتبع عدة طرق لتعويد أبنائه على الصوم كأن يبدأ بالصوم عن أكل الحلويات في البداية، ثم أن يبدأ بالصوم عن الطعام فقط دون الماء حتى فترة الظهيرة، وهكذا إلى أن يبدأوا أواخر رمضان بإنجاز الصوم خلال اليوم ككل، وهنا يقوم بمكافئتهم بهدية عدا التعزيز والمديح الذي يكال على الطفل من جميع المتواجدين .

وتبين أم خالد البالغ من العمر ثماني سنوات أنها تعتمد مبدأ التشجيع والمديح لابنها الصائم، رغم مشاهدتها له يقوم بأكل الحلويات خلف باب المطبخ أو شرب العصير خلسة من براد المنزل، ولا تمتلك سوى الابتسام عند مشاهدته أول الجالسين على المائدة الرمضانية مدعيًا الجوع والتعب طالًبا أصنافا منوعة من الطعام .

الصدق ثم الصدق

ويذكر سالم علي موظف في القوات المسلحة وأب لأربعة أبناء أن رغبته في تعويد أبنائه على الصوم لا تتناقض مع مبدأ الصدق في التعامل معهم، فهو صريح في مجال ضوابط الصيام وطبيعته، فإن أحسوا بالجوع وقاموا بالإفطار حتى ولو في آخر ساعات ما قبل الإفطار .

ويؤكد سالم ان الأطفال رغم صغر سنهم فهو يفهمون المعاني، والتغاضي والمحايلة في فريضة كالصوم يضعهم في خانة التغاضي والكذب بأمور الدنيا العامة والتعاملات، وهنا تضيع المعاني والقيم المقصودة من الصوم وهي السمو بالنفس عن الخطأ والمغريات بكل أنواعها المادية والمعنوية.

وتتفق أم محمد وهي أم وجدة مع سالم في مبدأ الصدق مؤكدة أنها لم تسمح لأبنائها بالصيام إلا عندما استطاعوا الصيام اليوم كله، بل إنها لا تسمح لهم بالصيام إلا إذا صاموا الشهر كله، فيما عدا حالات الطوارئ كتعرضهم لمرض أو توجههم لسفر.

الصيام تربية

وعلق فضيلة الشيخ زكريا محمد الحمقا واعظ في الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف وعضو لجنة الإفتاء في الخط المجاني في الفتوى برأس الخيمة، على أساليب العائلات في تحبيب الصيام للأطفال المختلفة، مؤكداً أن الدين الإسلامي لا ينفصل عن أصول التربية الصحيحة بل إن السيرة النبوية حافلة بالنماذج الناجحة للسلوك التربوي، ومن هنا فلا بد أن يتم النظر للموضوع بشكل عام فلا يحقق جانب وهو الصوم ويهدم جانب آخر وهو مبادئ الصدق والأمانة، خاصة وأن الأطفال غير مطالبين بالصيام إلا عند بلوغهم سناً معينة.

وأضاف محمد الحمقا أن مسايرة الطفل والتغاضي عن مخالفته لشروط الصيام قد توقعه أيضاً في لبس لأن باقي الديانات لها صيامها الذي يختلف عن صيامنا المتعارف عليه من الفجر وحتى أذان المغرب، لكن هذا الأمر يجب أن لا يتعارض مع الأصول التي حث عليها الإسلام في تربية الأبناء وهي الرفق واللين دون استخدام القوة والعنف عبر ضربهم أو جرحهم بكلمات قاسية.

منهج الوسطية

مما لا شك فيه أن المنهج الذي يقدمه الدين الإسلامي في التربية لا ينفصل عن أصول التربية الصحيحة بل إن السيرة النبوية حافلة بالنماذج الناجحة للسلوك التربوي، ومن هنا فلا بد أن يتم النظر للموضوع بشكل عام فلا يحقق جانب وهو الصوم ويهدم جانب آخر وهو مبادئ الصدق والأمانة، خاصة وأن الأطفال غير مطالبين بالصيام إلا عند بلوغهم سناً معينة.

وكما أكد فضيلة الشيخ زكريا محمد الحمقا واعظ في الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف فإن الأمر بالصيام يجب أن لا يتعارض مع الأصول التي حث عليها الإسلام في تربية الأبناء وهي الرفق واللين دون استخدام القوة والعنف.

رباب جبارة