تسود أيام شهر رمضان الفضيل طقوس وأجواء روحانية ومهما تعددت أشكالها يبقى رمضان فرصة لمراجعة الذات والتكفير عن الذنوب ما نعلم منها وما لا نعلم، وهو فرصة أيضاً لإعادة النظر في التحولات الاجتماعية والثقافية، حيث يقضي أفراد الأسرة الوقت على الفطور وتجمع الأصدقاء والأحبة على موائد الرحمن.
وبعيداً عن التقاليد والمظاهر الجديدة لبعض الطقوس الرمضانية التي تجلت في الخيام الرمضانية والمقاهي والمولات التي تبتعد كثيراً عن مفاهيم شهر الخير والرحمة والبركة اختار مجموعة من الشباب في مدينة العين قضاء وقتهم في البر حيث صفاء النفس والهدوء والسكينة وسط الصحراء بعيداً عن المقاهي والخيام وحتى عن المسلسلات التي يطلق عليها جزافاً رمضانية وهي أبعد ما تكون عن روحانية رمضان. على طريق العين - الفوعة وفي منطقة رملة المسعودي ينتشر الشباب المواطنون على تلال الرمل و«العراقيب» يفترشون الأرض حيث الأجواء الهادئة ونسمة عليلة داخل رمل الصحراء تنعش النفس.
وفي جلسة رمضانية شبابية طرح الحاضرون هموماً وقضايا وطموحات تمحورت حول التعليم والبحث عن الوظيفة والزواج ومسلسلات رمضان حيث أكد الجميع أن ما يعرض على شاشات التلفزيون والمحطات الفضائية بعيد كل البعد عن روحانية رمضان الذي يتم استغلاله للترويج لبعض المسلسلات والبرامج المستهلكة وانتشار ظاهرة الحفلات الفنية تحت مسمى سهرات فنية رمضانية وسط سحب دخان الشيشة وهي ليست من رمضان بشيء.
عبد الله البلوشي- طالب في كلية التقنية العليا تخصص إدارة أعمال يقول: إنه يأتي كل يوم مع عدد من أصدقائه للجلوس بعد صلاة التراويح في البر بعيداً عن المولات والخيام الرمضانية والسهرات التلفزيونية التي تفسد على الصائم صيامه ولذلك لا يرى فيما يطرح على الشاشات أي شيء ذا أهمية للشباب بقدر ما هو استهلاك للوقت وتعبئة لساعات البث التلفزيوني.
ويضيف أنه اختار الدراسة في كليات التقنية العليا كونها المؤسسة التعليمية الأكثر قدرة على تخريج الطالب وتأهيله لسوق العمل بمواصفات عصرية تلبي المتطلبات التقنية في وقت بات فيه البحث عن وظيفة هو الشغل الشاغل لكل الخريجين والخريجات رغم الجهود التي تبذل لتجاوز هذه المشكلات.
الشهادة سلاح الشباب
يذكر زميله سالم الكعبي أن سلاح الشباب المتطور هو شهادته العلمية التي يواجه بها تحديات الظروف المعيشية الصعبة التي باتت تثقل كاهل الجميع لاسيما في ظل ارتفاع تكاليف الحياة التي باتت مرهونة بقدرة الشخص على توفير مصادر رزقه من عمله في القطاع الحكومي الذي يشغل بال الجميع فيما لا يزال القطاع الخاص عاجزاً عن تقديم البديل للشباب الخريجين من فرص وظيفية ومزايا تنافسية.
أما عبد الله عتيق الذي اختار العمل في جهاز الشرطة وجه نقدا لاذعا للمحطات الفضائية التي تستغل شهر رمضان لتسويق برامج ومسلسلات تحمل اسم مسلسلات رمضانية وهي ابعد ما تكون عن رمضان وقد تزاحم الفضاء التلفزيوني بالعديد من البرامج والمسلسلات وبعض المحطات لا تعير رمضان أية أهمية أو خصوصية، وبالنسبة لعمله أشار إلى أنه اختار العمل في الشرطة بعد أن توقف عن الدراسة لظروف خاصة إلا أنه استدرك ذلك بعد أن استشعر أهمية المؤهل العلمي والشهادة وبالتالي قرر متابعة دراسته المسائية على أمل تحقيق طموحاته وفي مقدمتها الزواج والاستقرار الاجتماعي.
وأشار إلى أن تكاليف الزواج باتت باهظة وكبيرة تثقل كاهل الشباب وتعيقهم عن توفير الاستقرار بسبب الديون التي تتراكم عليهم حيث تتراوح تكاليف ابسط مشروع زواج مابين 500 إلى مليون درهم.
وتطرق إلى موضوع منح صندوق الزواج والشروط الواجب توفرها وأشار إلى إن الحد الأدنى المطلوب أن يكون لدى الشخص راتب يقل عن 15 ألف درهم حتى يتقدم للحصول على منحة صندوق الزواج وهذا المبلغ لم يعد مجزياً حاليا ويجب أن يرفع صندوق الزواج من قدر المنحة ويعيد النظر بشروطها. وأكد عبد الله سعادته بالخروج يومياً للبر بعد صلاة التراويح لقضاء بعضاً من الوقت بعيداً عن المجمعات التجارية والخيام الرمضانية التي لا تستهويه وليس فيها من رمضان إلا اسمها.
هموم الزواج
علي باليعروف يعمل أيضاً بالشرطة أشار بدوره إلى ضرورة الحد من ارتفاع تكاليف الزواج، حيث بات مشروع الزواج عبئاً كبيراً على عاتق الشاب وأسرته ويتطلب توفير مبالغ مالية كبيرة لا مقدرة للشاب بمفرده وبالاعتماد على راتبه من توفيرها لاسيما تكاليف إقامة الحفلات بالفنادق التي تحرق الأخضر واليابس ولا تبقي في جيب الشاب أو رصيده فلسا واحدا، بل تضطره للذهاب إلى البنوك وتحمل الديون التي تحتاج لسنوات لتسديدها إضافة لتكاليف المعيشة التي باتت بحد ذاتها مرتفعة وهي في كل يوم تسجل رقما قياسياً جديدا مما أرهق كاهل أفراد الأسرة.
ومن جانب آخر يؤكد باليعروف أن الدراسة الجامعية والمعدلات الدراسية باتت تتطلب من الشباب بذل مزيد من الجهد، إذ لم يعد كافياً النجاح وحده في الثانوية العامة والتي باتت بدورها الحد الأدنى للبحث عن أبسط وظيفة إن وجدت، وبالتالي يجب على الشباب مواصلة تحصيلهم العلمي العالي والتنويع من التخصصات التي تلبي حاجة سوق العمل الذي بات يتطلب المزيد من التخصصات إضافة للمهارات التقنية والخبرات.
وأشار إلى أنه قرر العودة للدراسة من جديد وانخرط هذا العام في التعليم المسائي على أمل تعديل وضعه والحصول على مؤهل علمي يساعده على تطوير نفسه وخبراته وقدراته لتأمين وظيفة ومستوى اجتماعي أفضل.
عقبة الإنجليزية
تناول علي عبد الرحمن الذي يعمل في جهاز في أبوظبي لحماية المنشآت مسألة البحث عن وظيفة والتي باتت هماً يؤرق بال الشباب حيث بات سوق العمل وعلى الرغم من توسعه يطلب مؤهلات وخبرات عالية لا يمكن للشاب أن يحصل عليها بوقت قصير ولم تعد المؤهلات الجامعية وحدها كافية للبحث عن الوظائف المرموقة.
حيث يجب توفر المهارات التقنية والقدرة على إجادة اللغات الأجنبية وهذه واحدة من المظاهر الخطيرة في سوق العمل حيث يشترط على الشاب الذي يبحث عن وظيفة عادية أحيانا ضرورة إجادة اللغة الإنجليزية كتابة وتحدثاً ونحن في مجتمع ثقافته عربية وفيما لا يشترط على الآخرين إجادة لغتنا. ونحن لسنا ضد تعلم اللغات للتواصل مع العالم لكن أن تصبح بديلاً عن لغتنا العربية فهي تهديد لهويتنا وثقافتنا التي يجب علينا الحفاظ عليه.
مشيراً إلى أن بعض مؤسسات التعليم باتت تشترط معدلات عالية وخبرات ومهارات لغوية مثل «التوفل» تعيق تقدم الطالب في السنوات الأولى من دراسته، لذلك نجد القسم الأكبر بات يذهب للبحث عن الوظائف الحكومية في الدفاع والشرطة كونها أقصر الطرق للحصول على راتب يساهم في تحمل أعباء الحياة المعيشية.
أما عن روحانيات شهر رمضان وبعض المظاهر أشار إلى ظاهرة الخيام الرمضانية حيث باتت المشاهد فيها تخدش الحياء قبل أن تسيء لقيم ومفاهيم رمضان، حيث تجد الشباب والبنات وقد أمسك كل واحد منهم بخرطوم الشيشة وترى فوق رأسه سحابة من الدخان حتى أن أجواء تلك الجلسات غير صحية، إذ يوجد المئات ممن يدخنون الشيشة والسجائر كما أن بعض المحلات التجارية الكبيرة تحول إلى أماكن تجمع مشبوهة بين الشباب.
أما المسلسلات فحدث ولا حرج في ظل الانفلات الفضائي ولذلك قرر مع بعض الأصدقاء الذهاب يومياً إلى البر يصطحبون معهم دلة القهوة والشاي والرطب والعصير يجلسون ويتسامرون ويتبادلون الأحاديث والأفكار إلى أن يحين موعد السحور يعودون بعدها إلى منازلهم استعدادا لصوم يوم جديد.
داوود محمد

