لعلك تعجب مثلي - عزيزي القارئ - من انتشار ظاهرة التسول، منذ اقتراب شروق نسمات شهر رمضان، وطوال الشهر الكريم، حيث تجد على أبواب المساجد أعدادا مخيفة، ومثلهم على أبواب المصالح والشركات والمصانع، وأماكن انتظار المواصلات، بل وفي الإشارات التي قد تتوقف عندها.
وحينما تتوقف سيارتك في نهر الطريق فيهجم عليك من لا تتوقع، وبقوة تجد شبابيك السيارة قد غطتها الوجوه كلهم يشكو دهره ويتوجع من ظروف ألمت به ويحتاج إغاثة، وربما لوح لك ببعض صور الكشوف الطبية التي تخبر عن مرض عضال ويحتاج الجراحة العاجلة التي ستتكلف أمولا باهظة، أو الأوراق التي تثبت أن والد المتسول يحتاج الى كرسي، أو يحتاج الى سيارة لأنه استأصل رجله، أو أصيب في حادثة، أو زوجته القعيدة في البيت لا تستطيع الحركة، أو امرأة وطفل صغير وعليه مزقا من الثياب، أو نجد على الأرصفة رجلا أو امرأة راقدا ويظهر من ملابسه الباقية بعض الخراطيم وأكياس بها سائل أحمر، مما يفهم منه أن المريض قد أجرى عمليات جراحية لتغيير مجاري البول مثلا، وهو بحاجة ماسة إلى استكمال العلاج، أو الصبيان أو البنات اللاتي يفاجئن الناس فجأة بترك أوراق باهتة عليها آيات قرآنية أو ما شابه، على أرجل الركاب، ثم ينتظرن أي مقابل لهذا الأوراق، أو من يقفون في الميادين أو المواقف بمكبرات الصوت يدعون إلى التبرع لبناء مسجد أو غير ذلك..!!
وكل هذه الصور لا ريب مرت علينا جميعا، ولا ريب كذلك أن زيف هذه الدعاوى واضح للعيان، ولا ريب كذلك أنني ومثلي كثيرون يعتزون بدينهم وبشهرهم الكريم، يشعرون بالإهانة العظمى لانتساب الكثير من أصحاب هذه الصور إلى الإسلام الذي أهانوه، وجرحوا شعور أتباعه وأهله، ولم يبالوا سوى بالدراهم التي سيحصدونها، وهي من الكثرة بحيث أغرت بعض موظفي الدولة إلى التفرغ للتسول في شهر رمضان، بالحصول على إجازة من العمل الوظيفي، ثم القيام بهذا العمل غير الشريف في شهر رمضان.
إن الإسلام رسم للمجتمع أن يكون مجتمعا عاملا طيبا يكتسب ماله بالحلال، ويجهد أفراده في سبيل إحراز مكاسبهم من طريق حلال، ويتحرون الوسائل الشريفة حتى يكون الكسب طيبا، وأفضل أنواع الكسب ما كان من عمل الإنسان، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «ما كسب الرجل كسبا أطيب من عمل يده، وما أنفق الرجل على نفسه وأهله وولده وخادمه فهو صدقة»..!!
وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وصف هذا الكسب بأنه أطيب أنواع الكسب فقد دعا إلى تحري الكسب الحلال الطيب الخالص، بتقديم الجهد والسعي والمشقة، فهذا هو طريق الكسب الحلال، بل وهو الذي يرفع للناس أقدارهم، ويضفي عليهم صفات الإنسانية، ويعود بالفضل على الأهل والولد والخادم، بل والمجتمع كله بما ينفقه من فضل ماله..!!
علي عيد
--+++++++++++++++++++++++++++18132642711537
Content-Disposition: form-data; name="template"
FullStyle3