وضع الإسلام قواعد السلوك مع الناس، وحدد طرق المعاملة، وألزم المرء أن يراعى هذه القواعد ويلتزم هذه الطرق ليكثر الخير، ويعم الأمن، ويسود السلام، وليشعر كل فرد من أفراد المجتمع بأنه مع إخوة يتعاونون معه.

ومن هذه القواعد التي فرضها الإسلام أن يعامل الإنسان غيره بالرفق واللين فلا يغلظ في قول ولا يقسو في معاملة.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من يحرم الرفق يحرم الخير كله».

وهذا الأدب من الآداب التي أتصف بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان من أسباب محبة الناس له وجمعهم عليه يقول الله تبارك وتعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لا تفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر).

فالله سبحانه يبين أن الرحمة التي تحلى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أسباب اللين والرفق بالمؤمنين وأنه لو اتصف بالقسوة والغلظة لا نصرف الناس عنه وأن عليه أن يعفو عنهم إذا أساءوا، وأن يطلب لهم المغفرة إذا أذنبوا، وأن يشاورهم في الأمر تأليفاً لقلوبهم وتطيباً لخواطرهم .

وهذا الخطاب وإن كان موجهاً إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فهو في الوقت نفسه موجه لأمته فكل ما طلب منه أن ينفذه فمطلوب من أمته أن تقتدي به فيه عدا ما اختص به.

وإن هذه المعاملة من اللين والرفق وخفض الجناح ليست وقفاً على طائفة من الناس دون طائفة وإنما هي عامة بين الناس جميعاً: القريب منهم والبعيد، والمطيع والعاصي والبار والفاجر.

أي أن اللين وخفض الجناح يجب أن يبسطا على المؤمنين جميعاً حتى على العصاة منهم، وإنما تطلب البراءة من أعمالهم السيئة - كي لا يستمر - وتصبح جزءاً من سلوكهم المعتاد فيصعب عليهم التخلص منها .

ولما كان الكبر والتعالي على الناس مما يتنافى مع الخلق الكريم، ويغرس الفرقة والعداوة ويقطع ما أمر الله به أن يوصل من صلات شن الإسلام عليه حرباً شعواء، ليطهر منه النفوس والقلوب .

فالله سبحانه يبغض المختال المعرض عن الناس كبراً وأنفة «ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور» .

ومهما أعجبت المرء نفسه، واختال في مشيته فأخذ يطأ الأرض بشدة، ويرفع رأسه تطاولاً على الناس فهو لن يخرق الأرض ولن يبلغ الجبال طولاً

وقد يتعالى المرء بنسبه العالي، وحسبه الرفيع، فأراد الإسلام أن يطارد هذه الجاهلية ويقضى على هذه العصبية التي أرثت الأحقاد وأثارت الفتن وأشعلن الحروب زمناً طويلاً.

فالمتواضعون هم أهل الله، والمتكبرون ليس لهم من بره حظ ولا نصيب. والمتكبر يرى أنه متميز على غيره بفضيلة العلم، أو العمل، أو المال، أو الجاه أو الصلاح أو القوة أو الجمال أو غير ذلك من النعم الظاهرة فيصرفه ذلك عن إصلاح نفسه وعدم الالتفات إلى نصيحة غيره وبذلك يتعطل نشاطه عن التقدم والرقى .

ومهما ألان المرء جانبه للناس وقبل الحق ممن قاله أياً كان فهو من المتواضعين الذين يرفعهم الله ويعلى من أقدارهم.

والتواضع شأنه أن يثبت دعائم الأخوة ويوطد قواعد الاستقرار والطمأنينة والسلام .

قال صلى الله عليه وسلم: إن الله أوحى إلى أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغى أحد على أحد.

هذه بعض قواعد السلوك الاجتماعي الذي فرضه الإسلام على أتباعه ليخلق بذلك مجتمعاً قوياً متماسكاً لا يتطرق إليه الضعف ولا الوهن.

رجاء علي