أكد العلماء أن جميع الأمم السابقة فرض عليها الصيام، على اختلاف الكيفية بين هذه الأمم وأنبيائها الذين بعثوا إليهم في كيفية أداء هذه العبادة، حيث كان لكل أمة صفة خاصة بها، بالإضافة إلى أن هناك كثيرا من الأنبياء تشابهوا في صيامهم، وذلك كصيام أمة سيدنا محمد وأمة سيدنا موسى، مع وجود بعض الاختلافات البسيطة بينها.

مشيرين إلى أن نبي الله داوود عليه السلام تميز عن الانبياء الاخرين بصيامه يوما وفطره يوما، وأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تميز هو أيضا عن باقي الأنبياء بصيامه شهر رمضان دون سائر الأمم، وغيرهم من الأنبياء الذين أوضح العلماء طرق صيامهم التي سوف نتعرف عليها بالتفصيل من خلال هذا التحقيق:

د. مصطفى مراد أستاذ الأديان والمذاهب بجامعة الأزهر أكد أن فريضة الصيام قديمة منذ أن خلق الله آدم عليه السلام، وصوم الأنبياء هو نفس صوم أتباعهم، بهدف التقرب إلى الله..

موضحا أن النبي نوح عليه السلام هو أكثر من عاش على هذه الأرض حيث عاش 950 عاما، وكان يصوم الدهر كله ومعظمه حتى كبر عمره، إلا أنه كان حريصا على أداء هذه العبادة، وكان قادرا على أداء الصيام على التوالي هو وقومه، وذلك نظرا للقوة الجسمانية التي كان يتمتع بها هو وقومه، ولكن كان صيامهم كصيام النصارى وهو الامتناع عمن فيه روح.

وأشار مراد أن سيدنا موسى عليه السلام كان يصوم يوم عاشوراء، وكان قومه يصومون أيضا اليوم نفسه ، وذلك لأن هذا اليوم الذي أهلك الله فيه فرعون وقومه، ونجا موسى ومن تبعه من الغرق، ولذلك عندما قدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ووجد اليهود يصومون هذا اليوم فسأل أهلها فقالوا له إن هذا اليوم الذي نجا الله فيه موسى، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم أنا أحق بموسى منهم فصامه وأمر بصيامه.

وأوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصا على صيام يوم عاشوراء، ولكن في آخر أيامه قال لأصحابه، صوموا يوما قبله، أو صوموا يوما بعده، قائلا: وإن عشت إلى العام المقبل لأصومن تاسوعاء وعاشوراء، فكانت النية بمثابة العمل، ولكن توفاه الله قبل أن يفعل ذلك، وذلك من أجل مخالفة اليهود في عباداتهم.

وقال أستاذ الأديان والمذاهب إن عيسى عليه السلام كان يصوم عن الجوارح وأشياء معينة يمتنع عن أكلها كالامتناع عن أكل اللحوم والطيور وكل ما فيه روح، موضحا أن كيفية الصيام تختلف من أمة لأخرى فصيام شهر رمضان خاص بأمة محمد صلى الله عليه وسلم فقط دون سائر الأنبياء، ما عدا صيام سيدنا موسى، أو صيام اليهود فكان يساير صيام المسلمين إلا أنه كان أياما معدودات، وليس شهرا كاملا كما هو الآن، وكان صوما خاصا ببعض المناسبات كالشكر لله وغيرها من الأمور الأخرى.

وأشار إلى أن صيام سيدنا إبراهيم هو صيام اليهود نفسه وهو ما تم ذكره سابقا، وذلك لقولهم «أي اليهود» إن إبراهيم نبينا، وإن الذي ذبح لإسحاق الابن الأصغر لإبراهيم وليس إسماعيل، ولذلك كانوا يصومون تبركا بهذا اليوم، على عكس العقيدة الإسلامية، والقرآن الكريم الذي أكد أن الذي ذبح هو سيدنا إسماعيل عليه السلام خصوصا وأنه الولد الأكبر لسيدنا إبراهيم.

أما الداعية الإسلامي الشيخ يوسف البدري - عضو مجمع البحوث الإسلامية، فقد أكد أن الصيام فرض على جميع الأمم السابقة، وذلك لقوله تعالى في كتابه العزيز {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}، وهذا ما يؤكد أن الصيام كان مفروضا على جميع من سبقونا.

وأضاف أن كيفية الصيام تختلف من نبي لآخر، فبعضهم كان يصوم عن أنواع معينة من الأطعمة، وبعضهم عن الأطعمة كلها، وبعضهم كان يصوم عن الكلام، كما ورد في قصة سيدنا زكريا عليه السلام التي ذكرت في القرآن الكريم {قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليالٍ سويا}.

وكذلك كما ورد في قصة مريم عليها السلام {فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا} وهذا ما يؤكد على أن من أحد أنواع الصيام عند الأمم السابقة كان صيام السكوت عن الكلام.

أشار البدري إلى أن الصيام عند الأنبياء مختلف عن صيام المسلمين في الوقت الحالي، فطبقا لما جاء في التوراة والإنجيل، فكان هناك بعض الأنبياء يصومون لمدة معينة في السنة، وبعضهم يصومون عن كل الأطعمة لمدة 3 أيام في الشهر، وفريق ثالث كان يصوم من غروب الشمس إلى غروب شمس اليوم التالي، ولذلك فصيام الأنبياء يمكن معرفة كيفيته من خلال صيام تابعيهم. أضاف أن الصيام الموجود بصورته الحالية لم يكن هو الذي فرض على المسلمين في بداية الأمر.

حيث كان الصيام في بداية الدعوة عبارة عن صوم أيام معدودات كصوم 10 أيام من شهر المحرم، مشيرا إلى أن الصوم بصورته الحالية لم يتم فرضه إلا بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة.

أضاف أن الملائكة يدخلون تحت قائمة الصائمين أيضا لأنهم لا يأكلون ولا يشربون، ولا يأتون الغيبة والنميمة، ويتقون الله ويطيعونه فيما أمرهم، كما قال تعالى {ولربهم عابدون}.

إلى هنا يؤكد الدكتور عبد الغفار هلال أستاذ الشريعة الإسلامية أن الصيام فرض في أول الأمر على المسلمين لمدة أيام معدودات لقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون؟ أياما معدودات} موضحا أنها كانت 3 أيام من كل شهر، ومعنى ذلك أن الأمم السابقة كانت تصوم 3 أيام أيضا من كل شهر.

أضاف أن الذي تميز في صيامه عن الأنبياء السابقين هو سيدنا داوود عليه السلام، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعبدالله بن عمرو بن العاص حينما أراد صيام النهار وقيام الليل «يا عبدالله صم ثلاثة أيام من كل شهر والحسنة بعشر أمثالها، فقال عبدالله أطيق أكثر من ذلك يا رسول الله، فقال له الرسول يا عبدالله صم يوما وأفطر يومين، فقال له أطيق أكثر من ذلك فقال له الرسول صم يوما وأفطر يوما كما كان يصوم داوود عليه السلام وأنه لأفضل الصيام، فقال عبدالله أنا أريد أفضل من ذلك، فقال له الرسول لا أفضل من ذلك إن لبدنك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا».

أشار أستاذ الشريعة الإسلامية إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بجانب صيام رمضان يصوم يومي الاثنين والخميس، وعندما سئل عن ذلك فقال «أما يوم الاثنين فلأنه يوم ولدت وبعثت فيه، وأما يوم الخميس فتعرض فيه الأعمال إلى رب العالمين وأحب أن يرفع عملي إلى الله وأنا صائم».

القاهرة - دار الإعلام العربية