في شهر رمضان المبارك تعمر موائد الصائمين في بلاد المسلمين بشتى ألوان الطعام، ولاشك أنَّ الموائد تختلف من بلد إلى آخر بحسب عادات الشعوب وتقاليدهم، فالسنبوسك في السعودية، والعصيدة في السودان، والكسكسيه في بلاد المغرب العربي، والفتوش في بلاد الشام، وغير ذلك في بعض البلدان، ولكن هناك قاسم مشترك نراه في أغلب الموائد الرمضانية شرقا وغربا؛ والذي أقصده هو الرطب أو التمر، فيحرص المسلمون على الابتداء بالتمر تأسيا بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث حث الرسول الصائمين في رمضان أن يجعلوا بدء فطورهم الرطب أو التمر.
فعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم تكن رطبات فتمرات، فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من الماء «رواه أبو داود والترمذي.»... فلمَ التأكيد على الرطب والتمر قبل تناول أي طعام؟... لا شك أن وراء هذه السنة النبوية المطهرة إرشاداً طبياً وفوائد صحية، وحكمة قد لا نعلمها، فقد اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الأطعمة دون سواها لفوائدها الصحية الجمة، وليس فقط لتوافرها في بيئتنا الصحراوية. ولقد حاول الأولون تفسير الحكمة من اختيار التمر والرطب دون غيرها من الأطعمة ليبدأ فيها الصائم، فذهب البعض إلى أن الرطب والتمر فاكهتان مباركتان وقال آخرون لأن الرطب والتمر من الفاكهة الحلوة التي تعطي الجسم القوة والنشاط بسرعة فائقة وهذا ما يحتاج إلية الصائم، في حين فسر ابن حجر العسقلاني في كتابه فتح الباري الحكمة كما يلي: «والحكمة في استحباب التمر لما في الحلو من تقوية البصر الذي يضعفه الصوم ولأن الحلو مما يوافق الإيمان ويعبر به المنام ويرق به القلب وهو أيسر من غيره ومن ثم استحب بعض التابعين أنه يفطر على الحلو مطلقا كالعسل رواه بن أبي شيبة عن معاوية بن قرة وبن سيرين وغيرهما».
إيقاظ لطيف لأجهزة الجسم... أخصائية التغذية في مستشفى الفجيرة فتحية المطيري قالت: عندما يبدأ الصائم في تناول إفطاره تتنبه أجهزة الجسم، ويبدأ الجهاز الهضمي في عمله، وخصوصا المعدة التي ينصح بالتلطف بها، ولا بد من محاولة إيقاظها بطريقة لينة، والصائم في تلك الحال بحاجة إلى مصدر سكري سريع، يدفع عنه الجوع، مثلما يكون في حاجة إلى الماء. وأسرع المواد الغذائية التي يمكن امتصاصها ووصولها إلى الدم هي المواد السكرية، وخاصة تلك التي تحتوي على السكريات الأحادية أو الثنائية (الجلوكوز أو السكروز) لأن الجسم يستطيع امتصاصها بسهولة وسرعة خلال دقائق معدودة، ولا سيما إذا كانت المعدة والأمعاء خالية كما هي عليه الحال في الصائم.
ولو بحثت عن أفضل ما يحقق هذين الهدفين معا «القضاء على الجوع والعطش» فلن تجد أفضل من السنة المطهرة، حينما تحث الصائمين على أن يفتتحوا إفطارهم بمادة سكرية حلوى غنية بالماء مثل الرطب، أو منقوع التمر في الماء ليعوضوا ما فقدوه من سكريات خلال الصوم.
وذكرت أخصائية التغذية أن التمر غني جدا بالأملاح المعدنية مثل الكالسيوم والبوتاسيم والحديد، بالإضافة إلى البروتينات والفيتامينات المهمة للجسم، وأن كل 100 غرام من التمر ( 2-3 حبات من التمر) تحتوي على 2 .2 من البروتين و6 .0 من الدهن و63غراماً من الكربوهيدرات التي تمد الجسم بـ 288 سعرة حرارة.
وبالتالي فإن تناول الرطب أو التمر عند بدء الإفطار يزود الجسم بنسبة كبيرة من المواد السكرية حيث تزول أعراض نقص السكر ويتنشط الجسم، كما أن خلو المعدة والأمعاء من الطعام يجعلهما قادرين على امتصاص هذه المواد السكرية البسيطة بسرعة كبيرة، بالإضافة لاحتواء التمر والرطب على المواد السكرية في صورة كيميائية بسيطة يجعل عملية هضمها سهلا جدا.
فالصائم يستنفد في نهاره عادة معظم وقود جسده، أي يستنفد السكر المكتنز في خلايا جسمه، وهبوط نسبة السكر في الدم عن حدها المعتاد هو الذي يسبب ما يشعر به الصائم من ضعف وكسل وزوغان في البصر وعدم قدرة على التفكير والحركة؛ لذا كان من الضروري أن نمدّ أجسامنا بمقدار وافر من السكر ساعة الإفطار، فالصائم المتراخي المتكاسل في أواخر يوم صيامه، تعود إليه قواه سريعاً ويدب النشاط إلى جسمه في أقل من ساعة إذا اقتصر في إفطاره على المواد السكرية ببضع تمرات مع كأس ماء أو كأس حليب، وبعد ساعة يقوم الصائم إلى تناول عشائه المعتاد.
فوائد صحية
وتضيف الأخصائية فتحية أنه لا يخفى على كثير من الناس الفوائد الجمة للتمر والرطب منها أنه يعتبر مصدر للطاقة لاحتوائه على نسبة عالية من سكر الفاكهة والفسفور. كما يساعد على الشفاء من العمى الليلي لاحتوائه على فيتامين (أ)، ويضفي السكينة والهدوء على الأعضاء المتوترة والنفوس القلقة ويساعد على تقوية العضلات لاحتوائه على فيتامين ب، ويعتبر غذاء للخلايا العصبية.
كما أن التمر من الأطعمة التي تفتح الشهية، وتعالج المصابين بفقر الدم، ويقوي ويساعد عضلة الرحم على الحمل أثناء الولادة وذلك لما أثبتته الأبحاث العلمية لاحتواء التمر على مادة قابضة لرحم تساعد على الولادة وتهدئ الأعصاب، والتمر مفيد في تقوية العضلات المعوية فهو مساعد في حالات الإمساك والبواسير لما يحتويه على كمية كبيرة من الألياف. والتمر من الأغذية المفيدة لمرضى ضغط الدم لاحتوائه على البوتاسيوم والفسفور.
وقاية كبيرة
والذي لا يعرفه الكثير من الناس عن التمر أنه يقي الإنسان من الكثير من الأمراض إذ يعتبر نعمة من نعم الله تعالى على أهل الجزيرة العربية، كما أنه لا ينقل الجراثيم أو الميكروبات وأن السوس الذي بداخل التمر القديم يلتهم الاميبا ويفتك بالجراثيم التي قد تصيب الانسان في الأمعاء، بالإضافة إلى أن من يأكل التمر يوميا لا يقربنه الجن.
وذلك لما ذكر في الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله: صلى الله عليه وسلم: «من تصبح بثلاث تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر». والتمر يعد من أفضل الغذاء الذي يستطيع أن يستعين فيه رائد الفضاء في رحلته فهو صحي أكثر من الكافيار، وأغلب كتب الغذاء تتداول مقولة أن التمر يعد إكسيرا للشباب وفيه سر عظيم لأنه ينشط الغدد ويقوي الأعصاب.
ابتسام الشاعر


