شهر رمضان لا يوجد مثله في سائر الشهور ولا فضلت به أمة غير هذه الأمة في سائر الدهور والذنب فيه مغفور والسعي فيه مشكور والمؤمن فيه محبور مسرور والشيطان فيه مبعد مثيور والوزر فيه مهجور وأبواب الجنان فيه مفتحة وأبواب النيران مغلقة والشياطين مصفدة مسلسلة.
وفي الصوم طهر لقلوبنا وصفاء لأرواحنا ونقاء لضمائرنا وقرب من خالقنا، وقد كان يكفينا في الحث على الصيام الدعوة إليه بأن نقول للمسلم: إن الله أمرك بالصيام دون أن تعدد فوائده وأسراره ولكننا حين نبين بعض فوائد الصيام إنما يكون شحذاً لأذهاننا أن تفكر وتعمل إيماء إلى أن هذا التشريع الإلهي الخالد لم يقم إلا على ما يحقق للناس مصلحة أو يدفع عنهم ضرراً.
وليس في تعليل الأحكام وبيان أسرارها ما ينافي الإيمان أو يدل على ضعف اليقين إنما بيان الحكمة من الصيام وفوائده ليكون أوقع في النفس وأعمق أثراً وليكون المؤمن أكثر اطمئناناً إلى العبادة حين يؤديها وإلى التشريع حين ينفذه. والله عز وجل حين أمرنا بالصيام ذكر حكمته وفائدته بكلمة واحدة من كلامه المعجز: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون).
فالحكمة من تشريع الصيام - كما نبهنا الله إليها - هي التقوى أو الاتقاء والآن أتساءل ما هي فوائد الصيام؟ أقول للصيام فوائد كثيرة روحية واجتماعية وخلقية ونفسية ولا أتحدث هنا عن فوائده الصحية فذلك أولى بطيب المسلم يتناولها بالشرح والإيضاح والله تعالى أمرنا أن نسأل أهل الذكر فيما يعلمون.
فشهر رمضان هو شهر التربية الروحية لأن الصيام فيه سر بين العبد وربه لا يطلع عليه أحد إلا الله والصوم عبادة روحية تتزكى به نفس المؤمن وبفضله يتجنب الفواحش ما ظهر منها وما بطن.ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يستجيروا من جيوش الشهوات وأن يأمنوا في حصنه وقوع المنكرات فقال: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه وجاء» أي وقاية.
وكيف لا يكون كذلك وقد قال أحد الحكماء: الجوع نهر في الروح ترده الملائكة والشبع نهر في النفس ترده الشياطين، ففي الصوم جوع للبطن وشبع للروح احنواء وتقوية للقلب هبوط في اللذة وتصعيد للنفس. في الصوم يجد المؤمن فراغاً لمناجاة الله والاتصال به والأنس إليه كما يجد فيه متسعاً لقراءة كتاب الله الخالد الذي ينفد ماء البحر .
ولا تنفد أسراره ويقف الفلك عن دورته ولا يقف عن تهذيب النفوس وإصلاح وتطهير الأرواح في رمضان يسمه المسلم قول ربه في القرآن يناديه للخير ويهيب به إلى التقوى ويردعه عن الشهر ويجزه عن الاثم، في رمضان يسمع المسلم نداء ربه في أعقاب الليل يقول له: إليّ إليّ يا عبدي فطالما أبعدتك الدنيا عني وأنا قريب إليك من حبل الوريد ولطالما أغراك ما أمددتك به من مال وسلطان فظننت أنك مستغن عني وأنت أن يسلبك الذباب شيئاً لا تستنقذه منه.
الصوم يعود النظام والاتحاد وحب العدل والمساواة وإيجاد عاطفة الرحمة وتنحية روابط الألفة والمسارعة إلى الإحسان والتسابق إلى الخيرات وصون المجتمع من الشرور والمفاسد.
فالصائم حين يكف نفسه عن ضروريات الحياة يدرك ما يعانيه الفقير من الجوع والحرمان وما يشعر به اليائس والمحتاج من الفاقة والعوز فترق نفسه وتفيض بالحنان والعطف ويلين قلبه فيتفجر بالجود و السخاء، ولذلك فان أفضل الصدقة صدقة رمضان، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : من فطر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء. رواه أحمد والنسائي.
وقد ورد في السنة ما يدل على أن للانفاق في هذا الشهر فضلا على الانفاق في بقية الشهور ، يدل على ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اجود الناس، وكان أجود الناس في رمضان ).
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا دخل رمضان أطلق كل اسير، وأعطى كل سائل ويفرج عن كل مكروب. كان جوده يجمع أنواع الجود من بذل العلم والمال بذل نفسه لله تعالى في إظهار دينه وهداية عباده وإيصال النفع إليهم بكل طريق من إطعامهم جائعهم ووعظ جاهلهم وقضاء حوائجهم ولم يزل صلى الله عليه وسلم على هذه الخصال الحميدة منذ نشأ، ولهذا قالت السيدة خديجة في أول مبعثه: والله لا يخزيك الله أبداً إنك تصل الرحم وتقري الضيف وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق. ثم تزايدت هذه الخصال فيه بعد البعثة.ففي الصحيحين عن أنس قال: «كان رسول الله أحسن الناس وأشجع الناس وأجود الناس».
وقد كان صلى الله عليه وسلم يؤثر على نفسه وأهله وأولاده فيعطي عطاء يعجز عنه الملوك ويعيش في نفسه عيشة الفقراء فيأتي عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار ويربط على بطنه الحجر من الجو، هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعد لرمضان بالطاعة والعبادة والجوع والسخاء، فإذا هو مع الله العبد الطائع ومع الناس الرسول الجائع ومع إخوانه وجيرانه البار الجواد حتى لقد وصفه بعض أصحابه بأنه كان في رمضان أجود من الريح المرسلة. وكذلك كان صحابته يفعلون والسلف الصالح من بعده يتصفون بذلك فكان رمضان عندهم موسماً تتنسم فيه أرواحهم روائح الجنة وتطوير فيه أفئدة المؤمنين إلى سماوات الحق.
