تلقى الدكتور منيع عبد الحليم أستاذ التفسير وعلوم القرآن الكريم وعميد كلية أصول الدين الأسبق العلم على يد والده الراحل الدكتور عبدالحليم محمود شيخ الأزهر السابق وأحد علماء الأزهر البارزين على مر العصور المختلفة.. وفي حوارنا معه الذي دار معظمه حول شهر رمضان تحدث منيع عن آداب الصيام، وما يجب على المسلمين اتباعه، وما يجب عليهم الابتعاد عنه خلال الشهر الكريم.
بداية.. نسأل عن فضل شهر رمضان وآداب الصيام؟
المسلمون في كل زمان ومكان جعل الله لهم في شهر رمضان خيرا وبركة كثيرة، ومن هنا يكون تعامل المسلمين مع هذا الشهر ردا لهذه النعم، التي أنعمها الله على الإنسان من نعمة البصر، والعقل، والإدراك وتمييزه عن باقي المخلوقات، بالتوبة الخالصة النصوحة إلى الله، من كل ذنب ارتكبه وعزمه عدم العودة إلى هذا الذنب مرة أخرى، وهذا يعد خير تعامل مع هذا الشهر، أما آداب الصيام فعديدة ومنها اتباع ما أمر به الله ورسوله، وعدم اللغو والرفث والعطف على الفقير، وصلة القريب والسلام على البعيد وعمل الخيرات، والتبرع بالصدقات، وأداء العبادات من صلاة وتعبد وغيرها.
كيف يكون تعامل المسلمين مع هذا الشهر الكريم؟
اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والاقتداء به في كل أفعاله وأقواله، لأنه كان صلى الله عليه وسلم خلقه القرآن، وقرآنا يمشي على الأرض، كما قالت السيدة عائشة، ولذلك فاتباع منهجه هو خير اتباع، ومن ثم يجب أن يحرص المسلمون في هذا الشهر على قراءة القرآن الكريم، واتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأداء الصلوات وقراءة سيرته النبوية، بجانب الكتب الدينية الأخرى، التي تزيد من ثقافة الإنسان بأمور دينه، بالإضافة إلى ذلك فإن العمل عبادة، ويجب على الإنسان صاحب المسؤولية أن يقيم آداب رمضان التي تم ذكرها سابقا، بجانب أداء عمله.
هناك العديد من مظاهر الاحتفالات الصاخبة التي تصاحب هذا الشهر ما رأيك في هذا الأمر؟
شهر رمضان فرض لكي يقيم الصائم علاقة قوية مع ربه وانتزاع الشهوات من نفسه، وعدم فعل الأمور السيئة، لكي يصل إلى مرحلة السمو، ويكون في صلح عظيم مع الله، وصلة وثيقة به، أما مظاهر الاحتفالات الصاخبة كالسهر في الخيم الرمضانية، أو الجلوس على المقاهي وترديد النكات الساخرة، فهذا يعد إضاعة لمرحلة السمو التي يحظى بها الإنسان من قبل الله عز وجل، لأن ذلك إهدار لوقت يعد هو الوقت الأعلى في حياة الإنسان، ولذلك فالإنسان الذكي هو الذي يستطيع التواصل مع خالقه، ويبتعد عن اللهو والأمور المحرمة.
وهل هذا يبطل عمل الصائم؟
لا يبطله بمعنى أن فاعله ليس عليه القضاء، خصوصا أن هذه الأفعال غالبا ما تكون بالليل، ولكنها تقلل من ثوابه، بالإضافة إلى أن هذه الأعمال تعتبر من ضمن الأشياء المكروهة أو المحرمة، ولذلك فسوف يعاقب عن الاهتمام بها والتفرغ لها والبعد عن عبادة الله.
وماذا عن الإسراف في تناول الأطعمة كعادة معظم الشعوب العربية؟
الكثير من العائلات تحب أن تلتقي بأصدقائها وتتبادل الزيارات بينهما خلال هذا الشهر، وتعمل على حسن ضيافتهم وإكرامهم، خصوصا أن هذا يعد من صلة الرحم الواجبة، ولذلك يجب على كل أسرة أن تقيم حفل الضيافة حسب قدراتها المادية، وألا تزيد الحاجة عما طلبت له، لكي لا يدخل ذلك تحت دائرة الإسراف لقوله تعالى «يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين»، وهنا يجب على العلماء توعية الناس، بأن الإسراف في تناول هذه الأطعمة إذا كان من باب التفاخر والتباهي أمام الغير، فإن ذلك ينقص من أجر الصائم، ويضيع ثواب الأسرة، لأن فعل ذلك يتنافى مع الحكمة من الصيام وهو الإحساس بالفقراء وبالجوعى منهم.
متى يكون الصيام مكروها؟ ومتى يكون مستحبا؟ ومتى يكون واجبا؟ ومتى يكون محرما؟
الصيام يكون مكروها إذا كان سيقع ضرر على الصائم كالمريض، ولكن في حالة صيامه فسوف يحصل على أجره، بالإضافة إلى صيام يوم الجمعة، وبعض العلماء كره أن يصوم الناس يوم السبت، لمخالفة اليهود في هذا الأمر، أما الصوم المستحب، كصوم أيام الاثنين والخميس، وغيرها خصوصا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصا على القيام بهذه السنة، أما الصوم المحرم أو الممنوع فهو صوم المرأة الحائض، وما على شاكلتها كصوم النفساء، وصيام الأعياد كعيد الفطر والأضحى، أما الصيام الواجب أو الفرض، فهو صيام شهر رمضان لقوله تعالى «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم».
ما الحكم لو صام شخص في بلد ثم عاد إلى بلده مع العلم أن البلد الأول صام قبل بلده بيوم، فهل يجب عليه اتباع أهله أم الإفطار قبلهم بيوم؟
المسلم يجب عليه الصيام مع البلد الذي سافر إليه، وكذلك الإفطار مع البلد الذي عاد إليه، حتى ولو كان ذلك سيؤدي إلى صيامه 31 يوما، وليس 30 يوما كما هو معتاد، ويكون ذلك اتباعا للإمام في البلد التي وجد بها، حتى لا يفرق بين الجماعات الإسلامية.
ما حكم إفطار لاعبي كرة القدم إذا كانوا سيؤدون بعض المباريات؟
هناك فرق بين من هو مسافر للخارج لأداء هذه المباريات، فيحق لهم الإفطار لأن في السفر رخصة بالإفطار، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتي عزائمه» ويجب عليهم القضاء، أما النوع الثاني وهو أداء المباريات في بلدهم، فيجب على القائمين مراعاة ذلك، وعدم قيام هذه المباريات إلا بعد الإفطار، ولو أقيمت أثناء النهار، فلا يحق لهم الإفطار.
ما حكم المسابقات الدينية والثقافية التي تقام في هذا الشهر من خلال البرامج التلفزيونية؟
هذه المسابقات حلال لأنها تتضمن نوعا من التدريب العقلي على الثقافة بصفة عامة، أما إذا كانت هذه المسابقات ممن تشبه المراهنات أو لعب القمار فهي محرمة شرعا حتى ولو كانت في غير رمضان.
وماذا عن موائد الرحمن التي تقيمها الراقصات في رمضان؟
هذه الأمور يجب ألا نشغل أنفسنا بها، فنحن لسنا مطالبين بالبحث عن مصادر أموالهم، وعمن إذا كانت حلال أم حرام، فأفعالهم وأموالهم وأعمالهم متروكة للمولى عز وجل، ولذلك فمسألة ثوابهم من عدمه، وتقبل صيامهم، أيضا أمر متروك لله سبحانه وتعالى، ولعل هذه الأعمال تكون أول طريق التوبة.
وماذا عن العمل في البنوك وهل فوائدها حلال أم حرام ؟
العمل في البنوك حلال ولا حرمة فيه.أما عن الفوائد فجميع الفقهاء حتى العقدين الآخرين حرموا فوائد البنوك، لأنها تأخذ حكم الربا وأحل الله البيع وحرم الربا، ولكن منذ عقدين أفتى بعض العلماء بتحليل هذه الفوائد إلا أن معظم الفقهاء حاليا يرون أنها حرام.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية
