إن لخلق الرحمة شأناً وأي شأن، فقد أرسل الله عز وجل نبيه - صلى الله عليه وسلم - لرحمة الخلق برسالته، فقال: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» وكانت حياته ترجمة حية لكل معاني الرحمة، ولأنه في موقع الأسوة الحسنة للأمة.

فكل مسلم مأمور بممارسة الرحمة على ضوء هدى رسوله - صلى الله عليه وسلم - والذي وصفه ربه بأنه بالمؤمنين رءوف رحيم، ومثل نفسه مع أمته بقوله: « إن مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذبهن عنها، وإني آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقحمون فيها «.. فمن أجل ذلك كان راغبا في إنقاذ الناس جميعا من النار، راميا إلى هدايتهم، وكثيرا ما دعا ربه: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون».

وكثيرا ما كان يؤثر سلامتهم ونجاتهم، وانظر كيف عامل من حاربه وآذاه وضيق عليه وحزب عليه الأحزاب، يوم مكنه الله منهم وذهب إليهم بما لا قبل لهم به، إذ وقف على باب الكعبة متسائلا: « ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً.. أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء «!

وما أكثر ما آذاه المنافقون في المدينة وآذوا بإيذائه شعور كل مسلم، ومع ذلك حينما جاءه ابن عبد الله بن أبي بن سلول يستأذنه في قتل أبيه، فيأمره ببره والإحسان إليه، وحينما يأتيه طالبا قميصه ليكفن فيه أباه فيعطيه إياه، وجاء يستأذنه في الصلاة عليه والاستغفار له، فيقوم ليصلي عليه، فيقوم عمر بن الخطاب يجذبه من ثوبه قائلاً: أتصلي على رأس النفاق يا رسول الله؟ فيقول: دع عنك ثوبي يا عمر، إن الله خيرني فاخترت، قال «استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة لن يغفر الله لهم» فوالله لو علمت أني لو زدت على السبعين غفر لهم لزدت!

ثم كانت رحمته بأهل الكبائر من أمته واسعة، إذ قال: « إن كل نبي له دعوة مستجابة وقد ادخرت دعوتي شفاعة لأهل الكبائر من أمتي «.. وقال في امرأة قارفت الخطيئة ورجمت بعد إمهال حتى تضع وإمهال حتى يتم فطامه عن الرضاع: «لقد تابت توبة لو وزعت على أهل المدينة لوسعتهم!

وتعدت رحمته الإنسان إلى الحيوان، فقد رأى جملا في بستان، حينما رآه الجمل حن وذرفت مآقيه، فاقترب منه ومسح عليه وقال: «لمن هذا الجمل، فقال رجل من الأنصار: هو لي يا رسول الله، فقال: اتقوا الله في هذه العجماوات، فإنه شكا لي أنك تجيعه وتدئبه».. وقال لمن يركب الدواب ثم يقف يتحدث وهو على ظهرها: « لا تتخذوا من ظهور دوابكم مجالس حديثكم، فرب مركوب هو خير من راكب»!

ونبه على مسؤولية من يؤذي الحيوان لغير حاجة، وعرضه لقصاص الله عز وجل، فقال: «دخلت امرأة النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض».. حتى الحيوان الذي يؤكل، نصح إلى ذبحه بلا تعذيب، فلا يريه الذابح شفرته، وإنما يسترها عن عينيه بعد أن يحدها جيدا، فقال: «فليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته»

علي عيد