صلة الرحم من أهم الشعائر الاجتماعية التي أمر بها الإسلام أتباعه من أجل الحفاظ على الأسر والمجتمعات من الانهيار، غير أن هذه الصلة المقصود منها عدم القطيعة بين الأقارب قد تلاشى وجودها الآن ليس بين أبناء المجتمع المسلم فقط بل تعدته إلى أبناء الأسرة الواحدة..
فغالبا ما يهمل الكثيرون البر بوالديهم وأقاربهم وعدم السؤال عنهم أو عيادة المريض منهم، متناسين أنها صلة رحم واجبة، وان تركها قد يكون أحد الأسباب في عدم دخول فاعلها الجنة.. طرحنا القضية على علماء الدين الذين حددوا صلة الرحم الواجبة ومن هم الأقارب الأحق بذلك، وما حقوق المسلم على المسلم.. فإلى التفاصيل.
د. أحمد كريمة - أستاذ الفقه المقارن بكلية الدراسات الإسلامية أكد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرص على صلة رحمه وزيارة أصدقائه جميع أيام السنة، وفي شهر رمضان على وجه الخصوص.
أضاف أن صلة الرحم للشخص المسلم واجبة فيما يتعلق بالأقارب من جهة الأصل، وأبيه وإن علا، وفروعه كأبنائه وبناته، وإن نزلوا، وأيضًا ما يتبعهم من الأخوات، والأخوال والخالات والأعمام والعمات، وما يتبعهم من أولادهم، مشيرًا إلى أن الله تعالى أكد على صلة الرحم وحث عليها في الكثير من الآيات القرآنية ومنها «واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وبالوالدين إحسانًا وبذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل»، وقوله تعالى «واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا».
كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم حث على هذا الأمر في الكثير من الأحاديث النبوية، «ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه».
أوضح أستاذ الفقه المقارن أن صلة الرحم تكون بالسؤال عنهم وزيارتهم ومساعدتهم إن كانوا في حاجة إلى المال، وعيادتهم إن كانوا مرضى، مؤكدًا أن ذلك لا يقتصر على الأقارب بل يجب على الإنسان أيضًا زيارة جيرانه والسؤال عليهم كما وصى النبي صلى الله عليه وسلم وعلى جميع من تعرفهم من عامة المسلمين، ولو كان السؤال عنهم عن طريق السلام عليهم والابتسامة في وجههم، لأن تلك الأشياء تعد من وسائل صلة الرحم.
وأضاف أن صلة الرحم لها فوائد كثيرة أهمها أنها تزيد في العمر، وتوسع في الرزق لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:«من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه»، كما أن قطعها له أضرار كثيرة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:«لا يدخل الجنة قاطع رحم»، وقوله أيضًا:«إن أعمال أمتي تعرض عشية الخميس ليلة الجمعة فلا يقبل عمل قاطع رحم».
أما د. عبدالله سمك الأستاذ بجامعة الأزهر فقد أكد أن صلة الرحم نوعان خاصة وعامة، فالخاصة تكون بالأقارب والإنفاق على المعسرين منهم، وزيارتهم، وعيادة المريض منهم ومشاركتهم أفراحهم، وتهنئتهم في الأعياد، مشيرًا إلى أن صلة الرحم الخاصة لها فوائد كثيرة فهي تعمر الديار، وتزيد من الأموال لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:«إن الله ليعمر بالقوم الديار، ويثمر لهم الأموال، وما نظر إليهم منذ خلقهم بغضًا لهم، قيل كيف ذلك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: بصلتهم الرحم». أما صلة الرحم العامة فتكون بين عامة المسلمين وتحقق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتشاور والتناصح، والمحبة، والود، وعدم الجور على الغير، وتحمل أذى الشقي منهم.
وأشار سمك إلى أن زيارة الأقارب لها حدود وآداب، وأهمها اختيار الوقت المناسب، وعدم التطويل في الزيارة، وعدم تكرار الزيارات بدون داع أو لمصلحة شخصية بحجة صلة الرحم، لأن ذلك قد يؤدي إلى إفساد العلاقة.
وأوضح أن صلة الرحم واجبة على المسلمين لأنها متعلقة بالله سبحانه وتعالى كما أكد الرسول في حديثه الشريف:«إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم، قامت الرحم، فقالت هذا مقام العائد من القطيعة، قال: نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك، قالت أي «الرحم» بلى، قال فذاك لك، ثم قال الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه، اقرأوا إن شئتم «هل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم».
أما الداعية الإسلامي الشيخ يوسف البدري عضو مجمع البحوث الإسلامية فقد أكد أن صلة الرحم واجبة لأنها متعلقة بالمولى عز وجل طبقًا للحديث الشريف «إن للرحم لسانًا يوم القيامة تحت العرش، يقول: يا رب قطعت، يا رب ظلمت، يا رب أسيء إلي، فيجيبها ربها، ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك».
وأضاف أن حق المسلم على المسلم عشرة: أن يسلم عليه إذا لقيه، وينصح له إذا استنصحه، ويعوده إذا مرض، ويشمته إذا عطس، ويجيبه إذا دعاه، ويبر قسمه إذا أقسم، ويشهد جنازته إذا مات، ويحب له من الخير ما يحب لنفسه، ويكف عن شره ما استطاع، فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، ويبذل له من خيره ما استطاع في دينه ودنياه، فإن لم يقدر على شيء فكلمة طيبة، وأشار إلى أن إذا كان هناك قرابة فيزيد على ذلك احتمال الجفاء، والزيارة، وحسن الكلام، والمعاملة بالحسنى».
وطالبت أستاذ العقيدة جميع المسلمين المقصرين مع أهلهم، أو المتخاصمين معهم بسرعة زيارتهم ومساعدتهم إن كانوا في حاجة إلى المادة، والتصالح معهم وطلب الدعاء لهم خصوصاً خلال هذا الشهر الكريم.
غفران الذنوب
تؤكد د. آمنة نصير أستاذ الفلسفة الإسلامية والعقيدة بجامعة الأزهر أن صلة الرحم واجبة على جميع المسلمين تجاه أقاربهم وجيرانهم، كما أنها مستحبة أيضًا لغير ذلك للأصدقاء ولجيرانك من الديانات الأخرى، لأن المعاملة الحسنة لا تقتصر على المسلمين فقط، وإنما أيضًا يجب أن تشمل جميع من تتعامل معهم، وأضافت أن صلة الرحم تغفر الذنوب وتكفر الخطايا.
وأشارت نصير إلى أن الشخص القاطع لرحمه تقع عليه عقوبات كثيرة من قبل خالقه سواء في الدنيا أم الآخرة، ففي الدنيا، لا يرفع له عمل، ولا يقبله الله، ولا تنزل عليه الرحمة، ويعجل له العقاب في الدنيا قبل الآخرة، كما أن أبواب السماء معلقة أمامه، أما في الآخرة، فلا تفتح له أبواب الجنة أولاً، ولا يكون أول الداخلين إلى الجنة إن كانت أفعاله حسنة، لأنه قطع رحمه، أما إن كان غير ذلك، فيأكل من رماد جهنم الحار، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يسف المل» أي الرماد الحار.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية
