رمضان فرصة للتجمع والسهر والسمر مع الأهل والأصدقاء، ومع انتشار الخيم الرمضانية والمقاهي أصبح ليل الصائمين لا يطلع إلا في تلك الأماكن التي تغص بمرتاديها وإلى ساعات متأخرة بعد منتصف الليل الأمر الذي حذر منه مختصون، ورأوا فيه تقصيراً في أداء الواجبات الشرعية وأضراراً صحية على الصائمين الساهرين، في حين رأى باحث اجتماعي أنها ظاهرة اجتماعية صحية تقوي الروابط الأسرية.

رضوان تقي الدين - موظف يقول: إن الأجواء في رمضان من قصر وقت العمل والعروض التي تقدم في الخيم الرمضانية والمقاهي تشجع على السهر ليلاً، ورمضان بطبيعته شهر للقاءات والتجمعات التي تضم الأقارب والأصدقاء.ويضيف تقي الدين: أغلب الليالي أسهر فيها إلى الساعة الواحدة والنصف في المقهى مع الأصدقاء ونتسامر ونشاهد المسلسلات الرمضانية في أجواء نفتقدها خارج رمضان، ثم أرجع إلى البيت وأتناول طعام السحور ثم أخلد إلى النوم، وفي بعض الأحيان نتجمع نحن الرجال في بيت أحدنا والنساء مع الأولاد في بيت آخر ونسهر حتى السحور ثم نتسحر وننام، وللأسف تفوتني صلاة الفجر في الغالب لأنني أكون نائماً للتو.أما أنس خليل حمزة - موظف فيقول: إن نظام الحياة في شهر رمضان يفرض على معظم الناس السهر ليلاً والنوم نهاراً، ورمضان هو موسم للسهر في المقاهي على لعب الورق وشرب النرجيلة وهذه على الرغم من أنها عادات ليس لرمضان صلة بها إلا أن هذا هو الواقع.

ويضيف حمزة: إن الأجواء الاحتفالية التي ترافق هذا الشهر الكريم هي التي تحض على السهر إلى ما بعد صلاة الفجر أحياناً وهذا في أيام الإجازة التي تمنحني فرصة الاستمتاع بالسهر في رمضان لأنني غير ملتزم بالاستيقاظ مبكراً للذهاب إلى العمل.

تفويت الواجبات

ويقول الشيخ علي مشاعل مفتي أول بدائرة الشؤون الإسلامية والمشرف على الفتاوى عبر الانترنت إن حكم السهر في الخيم الرمضانية مرتبط بما يجري فيها فإذا كانت هذه السهرات جلسات علمية وثقافية وندوات وتبادل للآراء والتزاور وصلة الأرحام بعيداً عن الحرام فهي من جملة الطاعات التي أمرنا بها الدين.

وإن كان ما يجري فيها محرم ومنكر من لعب بالألعاب المحرمة التي تعتمد على الحظ واليانصيب والقمار أو صلات وعلاقات مشبوهة ومحرمة أو أحاديث تشتمل على الكذب والطعن في أعراض الناس فإن حكمها التحريم وينوه الدكتور مشاعل إلى أن إضاعة الوقت إن اشتملت على تفويت في أداء الواجب تجاه الله سبحانه وتعالى من صلاة وغيرها فإنها تكون حينئذ محرمة وصاحبها آثم أما إن كان تضييع الوقت ليس فيه تقصير في فرائض الله وواجباته فهو مكروه مذموم.

ويشدد الدكتور مشاعل على أن المسلم يجب أن يغتنم أيام عمره، فالله سائله عن شبابه فيما أبلاه وعن عمره فيما أفناه وعن وقته وحياته، والله سبحانه وتعالى امتن على عباده بأن أطال في حياتهم وحذرهم من عدم اغتنام هذه الأعمار والأوقات فقال سبحانه: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ) (فاطر: 37).

ويضيف الدكتور مشاعل إن على الصائمين أن يغتنموا أيام رمضان ولياليه بالقربات والطاعات والعبادات وأن يتخلصوا من العادات الآثمة والمنكرات المدمرة والوقوع في معصية الجبار وأن يكونوا على بصيرة ونور ومعرفة والمسلم الحق من كان رمضان له معيناً على التخلص من تلك الأقوال والعادات السيئة وخاصة ما كان فيه ضرر على ديننا وأخلاقنا وأولادنا وبيتنا وأموالنا، بحيث نحاسب أنفسنا قبل أن نقف بين يدي الله سبحانه.

أمراض محتملة

عن وجهة نظر الطبية يحدثنا الدكتور أسامة كامل اللالا خبير فسيولوجيا الجهد البدني فيقول: إن السهر إلى ما بعد منتصف الليل والذي تعارف عليه كثير من الناس في رمضان يساهم في الإصابة بالعديد من الأمراض.

فقد أثبتت الدراسات العلمية أن هرمون الميلوتونين والذي تفرزه الغدة الصنوبرية يبدأ عمله ونشاطه قبل منتصف الليل ومن أهم وظائفه رفع مستوى المناعة في الجسم والوقاية من الأمراض فهو عامل مانع للتأكسد، والسهر يحرمنا من نعمة عمل هذا الهرمون وتقل مستوياته في الجسم ويصبح أكثر عرضة للإصابة بالأمراض كبعض أنواع السرطانات.

ويضيف الدكتور اللالا أن السهرات الرمضانية كثيراَ ما يرافقها تناول المنبهات الغنية بالكافيين كالشاي والقهوة وحتماً هذه المنبهات ترتبط ارتباطاً مباشراً في رفع مستوى الكولسترول السيئ بالجسم وهو ال(ldl) إضافة إلى ذلك فإن السهر يزيد عمل الكورتيزون المسؤول عن القلق والتوتر فيزداد مستواهما نتيجة عمل الكوليسترول والأدرينالين والنورأدرينالين.

ويشير الدكتور اللالا إلى أن السهر أيضاً يؤدي إلى اضطرابات في عمل هرمون النمو مما يؤثر سلباً على صحة الإنسان وهرمون الكاتوكلامين يزداد عمله مع زيادة السهر ليلاً مما يزيد احتمال الإصابة بأمراض القلب وتصلب الشرايين وارتفاع ضغط الدم، كما أثبتت الدراسات العلمية أن الهرمونات الجنسية عند الرجل والمرأة تتأثر سلباً بنسبة 30% نتيجة السهر إلى ما بعد منتصف الليل.

ويذكر الدكتور اللالا أن نوم النهار لا يمكن بحال من الأحوال أن يعوض عن نوم الليل فالله سبحانه وتعالى جعل الليل لباساً والنهار معاشاً.

ظواهر إيجابية

ومن الناحية الاجتماعية يرى الدكتور أحمد العموش رئيس قسم علم الاجتماع في جامعة الشارقة أن السهرات الرمضانية والتي تجمع الأهل والأصدقاء هي من الظواهر الاجتماعية الإيجابية في المجتمع الإماراتي، فالخيم الرمضانية المتصلة بالبيوت أو تلك المنفصلة عنها تمثل نوعاً من أنواع التكافل الاجتماعي وتقوي الروابط الأسرية في الوقت الذي تعاني منه الأسر من ضعف في هذه الروابط لانشغال الأبوين.

ويضيف الدكتور العموش: هذه السهرات تؤهل لعلاقات اجتماعية صحية فعندما يجتمع الأصدقاء ويلتقون يناقشون قضايا تهمهم وهي صورة من صور المؤسسات الاجتماعية الأولية لأن المواضيع المثارة في هذه السهرات والتجمعات تعالج قضايا أسرية من غلاء وغيره مما يهم الأسرة كما أن هذه التجمعات الرمضانية تعد رافداً لتعزيز الروابط الاجتماعية بالتقاء الأهل والأصدقاء في مكان واحد والتعرف على المشاكل التي تعترضهم.

زاهر العلي