التشاب الكبير في العادات والتقاليد بين أبناء الأمة العربية يتجلى في كافة مناحي الحياة الاجتماعية، إلا أن هذا الانسجام البين لا يمنع مطلقاً وجود بعض التباينات المرتبطة بظروف الحراك الاجتماعي لأبناء بلد من البلاد العربية، وربما كانت الأسرة الفلسطينية المثال الأبرز في هذا الإطار لجهة حالة الشتات التي عاشتها وتعيشها بفعل الاحتلال والاقتلاع لجزء كبير من أبناء هذا الشعب من أرضه والتي جعلتها بشكل أو بآخر تكتسب الكثير من العادات للشعوب الأخرى التي عاشت بين ظهرانيها..
ولا تشذ أسرة محمد الشهابي المقيمة في دولة الإمارات منذ ثلاثين عاماً عن هذا السياق إلا أنها رغم الأعوام الطويلة بعيداً عن الوطن فهي مازالت تحافظ على الكثير من الخصوصيات الفلسطينية التي استطعنا معايشتها خلال دعوتهم لنا على طعام الإفطار..يرى محمد الشهابي أن المطبخ الفلسطيني يعد الأكثر تنوعاً بالمقارنة مع المطابخ الأخرى في الوطن العربي، مؤكداً أنه من الممكن وفق هذا التنوع الكبير أن تقوم السيدة بطهي أكلة كل يوم ولا يأتي الدور لكل منها إلا بعد مرور شهر أو أكثر على طهيها لأول مرة.وتشاركه في هذا الرأي زوجته فاطمة التي بدت معتدة بنفسها لجهة إتقانها صنع الوجبات الشهية، والتي تأكدنا على المستوى العملي وبالتجربة المعاشة جدارتها بهذا الاعتداد بالنفس لجهة التفوق في صنع الوجبات الشهية وذلك عندما تواطأت علينا وجبات السيدة «فاطمة» وجعلتنا تائهين في بحر الخيارات الواسعة..
الترتيبات مع محمد الشهابي الذي يعمل مدرساً في وزارة التربية لزيارته في منزله وتناول طعام الإفطار معه لم تكن بحاجة إلى جهد كبير كما أفهمني هو وزوجته لاحقاً، انطلاقاً من أنهم كأسرة يقومون يومياً بإعداد ما لذ وطاب من الأطعمة والحلويات طوال شهر رمضان وبالتالي فليس هناك من ترتيبات استثنائية لجهة استقبالي..
وفي الواقع لم أشعر مطلقاً بالحزن وأنا ألج من باب صالون منزلهم، لأن المائدة كانت تغص بكل شيء يفوق كل ما كانت تشتهيه النفس... المعركة التي استمرت طويلاً مع أطايب الطعام كان لابد لها من نهاية، وجلست متخماً فيما يشبه استراحة المحارب ليبدأ الحوار بيننا والذي جرى بشكل متقطع خلال طقوس تناول الطعام..
يقول الشهابي بأنهم كأسرة فلسطينية أسوة بغيرهم من أبناء الشعب الفلسطيني الذين عاشوا حالة الشتات الكبير والتوزع في مناطق مختلفة من العالم العربي وبقية دول العالم، أتيح لهم الإطلالة على الكثير من العادات والتقاليد للشعوب الأخرى، بل واكتساب البعض منها دون التنازل عن الكثير من الخصوصيات الاجتماعية المتعلقة بالشعب الفلسطيني، لافتاً إلى أن هذه الخصوصيات تتشابه إلى حد كبير مع مثيلتها لدى ابناء الشعب العربي من المحيط الى الخليج.
وأوضح الشهابي أنهم كأسرة يباشرون الاستعداد لاستقبال شهر رمضان الكريم قبيل أكثر من شهر على قدومه، هذه الاستعدادات التي تأخذ شكل شراء وتخزين بعض المواد الغذائية التي لا تستغني عنها الأسرة الفلسطينية خلال الشهر الفضيل مثل العدس والفول ومادة السوس والتمر هندي.
مضيفاً بأن الاستعدادات ليست مادية بالضرورة فهي تأخذ منحى نفسياً لجهة تهيئة الأجواء في المنزل للصوم، الزوجة فاطمة قالت ضاحكة بأنها ومع انطلاقة أيام شهر رمضان الفضيل تصبح هي نجمة النجوم بالنسبة لأفراد الأسرة فالكل يخطب ودها، ويسعى لإرضائها، لأن غضبها سيؤدي لخسارته ما لذ وطاب في ذلك اليوم.
وتضيف بأنها وعلى الرغم من التعب والإرهاق الذي تعانيه خلال الشهر الفضيل، إلا أنها تكون في قمة سعادتها لأن الأيام المباركة للشهر تسهم بجمع أفراد الأسرة يومياً على مائدة واحدة هذا الأمر الذي لم يكن ممكناً خلال الأيام العادية بسبب انشغال الجميع بأعمالهم ودراستهم، لافتة الى أن هذه اللمة تفتح الباب واسعاً للإطلالة على الشؤون والهموم الخاصة بأفراد الأسرة التي لم يكن بالإمكان الوقوف عليها في خضم هموم العمل اليومية.
مؤكدة أنه فقط وفي هذه الأيام المباركة تستطيع أن تتعرف على ملامح زوجها وأولادها من خلال تأملهم بهدوء خلال تناولهم طعام الإفطار، أو مشاهدتهم لإحدى البرامج التلفزيونية الرمضانية.
الابن جمال.. طالب الجامعي.. يؤكد أن شهر رمضان يعد بالنسبة له فرصة كبيرة للاجتماع بأسرته التي يفتقدها فعلياً طوال العام رغم أنه يعيش بينهم، انطلاقاً من ظروف الدراسة له ولأشقائه ولعمل والده التي تجعلهم لا يلتقون إلا لماماً ،واعتبرت الابنة «سميحة» أيام شهر رمضان فرصتها التاريخية لممارسة هوايتها الأثيرة إلى قلبها والتي تتمثل في صناعة الحلويات المنزلية.
وأشارت «ضاحكة» بأن أسرتها تعطيها خلال الشهر الكريم كافة الصلاحيات لممارسة تجاربها في صناعة الحلويات والتغاضي عن الأخطاء المحتملة التي قد تقع فيها خلال ذلك.
خالد اللوباني

