إنه خلق سابغ من أخلاق الإسلام، يستر النقص النفسي، ويجعل النفس ترتجف وتتقاصر عن قبول العيب، أو تجيز رؤيته أو ذكره، فتستنكف معايشته على العموم، وهذا الخلق سواء كان سجية فطرية أو تربية وتأدبا هو خلق محمود، رغم أنه قد يكون حائلا بين الإنسان وبين الإفصاح عن حقه والحصول عليه، فقد مر النبي - صلى الله عليه وسلم - على رجل يعظ أخاه في الحياء فقال له: «دعه، فإن الحياء لا يأتي إلا بخير» وفي رواية «فإن الحياء من الإيمان »!!
وقد قال الواصفون للنبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه كان أشد حياءً من العذراء في خدرها، أي يأخذه الخجل والحمرة إذا تعرض لما يخدش الحياء، فلا يحب اللفظ الفاحش، فلا هو بالفاحش طبعا، ولا المتفحش اكتسابا، وإنما كان ينفر من مجرد اللفظ المكشوف، وكان إذا كره شيئا عرف في وجهه .
ومن هذا الباب ما روي من المجيء برجل قيل إنه سرق، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «هلا قلت: إنه أخذ ؟!».. أي استنكف النطق بالكلمة الجارحة وإن كانت حقا، واعتبر نطقها لا يليق، فإنها من الجفاء، وقال قيما روي عنه: «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار».. واستأذن عليه مرة رجل، فقال: «ائذنوا له بئس أخو العشيرة هو، فلما دخل ألان له الحديث، فقالوا: يا رسول الله قلت ما قلت فلما دخل ألنت له الحديث. فقال: إن شر الناس من يتقيه الناس اتقاء فحشه »!
ويربي الإسلام أهله على نزعة الحياء التي تغرس في النفس توقيرا لرب العاملين ووضعه في الحسبان، لأنه لا يكون مسلما من لا يؤمن برقابة الله عز وجل عليه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «استحيوا من الله حق الحياء . قالوا : إنا لنستحي من الله والحمد لله. قال: ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء»!
أما من تصدر عنه الخطايا فلا يمكن التصور بأن لديه حياء من ربه، لأنه إذا كان الحياء من الإيمان فإن الإيمان يرفع عند المعصية أصلا، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن».. ولذلك جاء في الحديث الصحيح: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : إذا لم تستح فافعل ما شئت »!!
وتفريغ إنسان من خلق الحياء الكريم، سبيل لهلاكه فعليا واعتباريا، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله أن يهلك عبدا نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء لم تجده إلا مقيتا ممقتا، فإذا لم تجده إلا مقيتا ممقتا نزعت منه الأمانة، فإذا نزعت منه الأمانة لم تجده إلا خائنا مخونا، فإذا لم تجده إلا خائنا مخونا نزعت منه الرحمة، فإذا نزعت منه الرحمة لم تجده إلا رجيما ملعنا، فإذا لم تجده إلا رجيما ملعنا نزعت منه ربقة الإسلام».
فالحياء يشبه أن يكون لحاء الشجرة الأخضر الرطب الذي تجري فيه عصارة الحياة، فلو جف لأصبح طعاما للنيران، ومن أجل ذلك نص عليه الحديث: «الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها : لا إله إلا الله، وأدناها : إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان».
علي عيد
