دعا الإسلام إلى الخوف من الله وأثنى على الخائفين منه، فيقول الله سبحانه وتعالى: (فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين).

وروى الترمذي بسند حسن، عن أبى أمامه الباهلى: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين: قطرة دموع من خشية الله، وقطرة دم تراق في سبيل الله. وأما الأثران: فأثر في سبيل الله، وأثر في فريضة من فرائض الله.

والخوف إما أن يكون خوفاً من معرفة جلال الله، واستشعار عظمته وكبريائه وهو خوف العارفين. ويرى الشيخ سيد سابق أنه كلما كانت المعرفة أتم، كان الإنسان أشد لله خوفاً وأعظم خشية، «إنما يخشى الله من عباده العلماء»، ويقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه «إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية».

وإنما رغب الإسلام في الخوف من الله ودعا إليه لما له من آثار طيبة وثمار حسنة في حياة الفرد والجماعة. فهو يبعث في الإنسان روح الشجاعة ويدفعه إلى الجهر بالحق وإنكار المنكر دون تهيب من أحد أو خوف من مخلوق. وهذا من أعظم الفضائل وأكرم الغايات. وما دام هناك في الأمة من يجهر بالحق، ويدعو إليه، ويعمل على نشره فإن الباطل سوف يتوارى كما تتوارى ظلمات الليل عند طلوع الفجر الصادق. وهذه إحدى السمات التي يتميز بها أنصار الله وحملة رسالته.

ومن آثار الخوف من الله كذلك أنه يمنع الإنسان من الاسترسال في المعاصي والآثام ويجنبه الوقوع في الفسوق ويحجزه عن محارم الله. فإن الإنسان إذا خاف من الله كف لسانه عن الهجر والكذب والغيبة والنميمة والسخرية والهمز واللمز..

وامتنعت العين عن النظرة الخائنة وطهر القلب من الغل والحسد والفسق والكبر والرياء والنفاق وسائر الصفات الذميمة التي يبغضها الله ويمقتها الإسلام. ولولا الخوف من الله لاندفع الإنسان إلى الشر وانكب على المتع غير مراع مصلحة غيره ولا مقيم لها أي وزن.

وقد يقال إن القوانين يمكن أن تحل محل الخوف من الله.. والحق.. أن القوانين - مهما كانت صارمة - فإنها لا تنفع كما ينفع الخوف والخشية من الله فإن الخوف يخلق الضمير الحي، الذي يصحب الإنسان في كل مكان. بينما القوانين لا تراعى إلا حيث يخاف الإنسان من الوقوع في قبضة السلطة القائمة على تنفيذ القوانين.

فإذا وجدت فرصة أمن فيها المرء على نفسه هتك حرمة القانون وخرج عليه دون مبالاة. وإن ما تعانيه الإنسانية من نضوب معين الفضائل وفساد الضمائر وانتشار الجرائم والاستهتار بالقيم إنما سببه الغفلة عن خوف الله وعدم استحضار عظمته في القلب. ولهذا كثرت في القرآن الدعوة إلى الخوف من الله ليستيقظ الضمير ويصمد وفي يقظة الضمير نجاة الإنسان وسعادته في الدنيا والآخرة.

ولا تقتصر ثمار الخوف من الله وخشيته على هذا بل يدفع إلى السلوك الإيجابي الذي يسمو بالنفس إلى كل خير. وإذا كان الخوف من الله ممدوحاً فلما له من هذه النتائج الحسنة والثمار اليانعة أما الخوف من الناس فإنه مما يذمه الإسلام ويحظره لأن من شأنه أن يمنع الإنسان من الجهر بالحق ويحول بينه وبين أن يغير المنكر ويجعل من الفرد إنساناً متملقاً تافهاً لا يرجى خيره ولا يؤمن شره.

ولولا شجاعة الدعاة وجرأة المصلحين وثباتهم لما قامت للحق قائمة ولما تطورت الحياة ولما وصلت الإنسانية إلى ما وصلت إليه من تقدم ورقي. فلقد عالج الإسلام ناحية الخوف من الناس في نفس الإنسان ليخلصه من الجبن والضعف ويجعل منه شخصية قوية - لا تضعف أمام الناس ولا تنثني إزاء الصعاب فبين له أن الناس بشر مثله لا يملكون الحياة لأنها منحة من الله.

وهو يسلبها إذا شاء وحين يحل الأجل الموقوت.وكما أن الحياة بيد الله فإن الرزق كذلك بيده فالله هو الرزاق ذو القوة المتين «وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها».

رجاء علي