إن المسلم يعلم يقينا أن الله حق وأن ما أنزله حق، ومن أرسله بالحق حق، وأن ما عدا الحق هو باطل وزور، والمسلم ينزه ساحته عن إتباع أي باطل، أو اعتناق أي باطل، أو الدفاع عن أي باطل، لأنه يعتبر نفسه حارسا أمينا على إقرار الحق في أرض الله، عدوا لدودا لكل باطل..!!

ومن أجل ذلك تجد الإسلام قد خط لأهله منهجا للهجوم على الباطل المفسد أينما وجد وحيثما كان في أرض الإسلام، فمنذ اليوم الأول كانت دعوة الإسلام إلى إعلاء راية الحق، وهدم أركان الباطل وإزالته، وعبئت من أجل ذلك قوى المسلمين وأعدت الجيوش ودارت رحى الحروب بين أهل التوحيد الحق، وأهل الباطل الزائف، وبذلت الأنفس والأموال، حتى تم القضاء على سدنة الباطل، وقال تعالى: «وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا».!

ولا يقتصر حرب الباطل على أعداء الإسلام، وأعداء الحق خارج ديار الإسلام فحسب، وإنما هو مفروض على المسلم في داخل الديار الإسلامية أيضا، بحيث لا يسمح مطلقا بالظهور لقول أو فعل أو سلوك يخالف الحق ويخرج عن مقتضاه إلا نهى عنه وعمل على إزالته وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي يحتاج قوة إيمان وقوة عزيمة ورغبة صادقة في إصلاح شأن الأمة والعودة بها إلى نهج الحق القويم والصراط المستقيم..!

وغني عن البيان أن الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لابد أن يكون عالما بالحق الذي يدعو إليه قادرا على إحسان اختيار وسيلة دعوته وتسويقها بين الأمة ولذلك قال الحق تبارك وتعالى: «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون».

وقال رب العزة: «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله» وبين الإسلام أن هلاك من قبلنا من بني إسرائيل كان بسبب عدم انتهائهم عن ما كانوا عليه من باطل ومنكر فقال: «لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون».!!

فكما أن المجتمع الفاضل ينعم به وبخيره كل أفراده، فكذلك وقوع الفساد والباطل في المجتمع يكتوي بنيرانه كل أفراده أيضا، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «مثل القائم في حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا في سفينة، فكان بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فلو تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا».!!

وكان أفذاذ الأمة صداحين بالحق مهما كلفهم ذلك من ثمن، قد يصل إلى قطع الرقاب أو الحبس في غيابات السجون، مسترشدين بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألا لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده، فإنه لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقول بحق».

علي عيد