الأمة الإسلامية في أمس الحاجة إليهم، لأنهم ورثة الأنبياء وحاملو مصابيح لهداية الناس لما فيه خيرهم في الدنيا والآخرة، وإذا كانت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة قد احتذت بالعلماء، ورفعتهم لمكانة عالية فإن ذلك لم يكن نابعًا من فراغ، وإنما لما يتحملونه من مسؤولية تجاه خدمة أهداف دينهم ومجتمعهم.
ونحن نعيش نفحات شهر رمضان..نتساءل: ما صفات العالم؟ وما واجباته ومسؤولياته تجاه دينه ووطنه، وما حقوقه؟!. يقول د. أحمد السايح - أستاذ الفلسفة بكلية الدعوة الإسلامية: لقد احتفى الإسلام بمكانة العلماء والمفكرين وعظم من شأنهم، ويكفي أنه أتاح حرية التفكير، وكفل في ذلك ما يحمي من يقوم بها.
ويدلل على مكانة التفكير والعلم في الإسلام بأن القرآن قد تحدث عن الحكمة في تسع عشرة آية وعن «العقل» في تسع وأربعين آية، كما تحدث عن التفكير كفريضة واجبة في عدد من الآيات منها «كذلك يبين لكم الآيات لعلكم تتفكرون»، وهذا دليل على أن «التفكر» فريضة على كل مسلم.
ويشير السايح إلى أن العلم احتل مكانة كبيرة في الحضارة الإسلامية في الوقت الذي كانت تعيش فيه أوروبا في سبات عميق، وعن العلماء المسلمين أخذ الغرب فنونهم وعلومهم وآدابهم وسائر إنتاجهم العلمي والتقني، وهذا ما رصدته كتابات ومؤلفات عدد كبير من المستشرقين والمؤرخين الغربيين مثل المستشرق «جروترود هارتمان» الذي ذكر أن للعلماء المسلمين فضلا كبيرا على نظرائهم الغربيين.
حيث ابتدعوا في الطبيعة نظريات جديدة لانكسار الضوء واكتشفوا في الكيمياء خواص الأحماض، وابتكروا مركبات جديدة كحامض الكبريت وأنشأوا علم الجراحة، وابتدعوا آلاته وعملياته وكتبوا في أنواع الحمى، ووصفوا المواد ذات الخصائص الطبية، وكانوا أسبق الشعوب إلى إنشاء المستشفيات والمكتبات والجامعات.
وفي هذا السياق يشير أستاذ الفلسفة إلى المستشرق «جورج سارتون» الذي أوضح في مؤلفاته مدى نبوغ العلماء المسلمين في المشرق في العصور الوسطى، وأشاد بفضل اللغة العربية في نقل العلوم والمعارف إلى شتى أجناس الأرض، ومدى الاستفادة القصوى التي أخذ منها علماء الغرب من فنون وعلوم وآداب المسلمين في شتى عصور التاريخ.. لافتا أن العلماء المسلمين الأوائل ما زالوا يشكلون مرجعيات أساسية لكثير من باحثي العالم في شتى العلوم.
د. محمد عبد الحفيظ الأستاذ بكلية اللغة العربية يقول إن العلماء هم ورثة الأنبياء كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، وبالتالي فهم محط أنظار غيرهم من المسلمين لذا يجب أن يكونوا قدوة لمن حولهم، فدور العالم المسلم لا يقتصر فقط على مجرد استقاء العلم من روافد مختلفة وتوظيفه بعد ذلك أو توصيله للأجيال اللاحقة، وإنما يجب أيضاً أن يكون داعية لدينه في نفس الوقت، وذلك من خلال أن يعيش الإسلام قولاً وعملاً، كما جاء بالقرآن والسنة وأن يعيش عصره باستنارة الفقيه المجتهد والمفسر الملهم الذي يصحب معه في عقله وقلبه أصول دينه ولا يغفل في الوقت ذاته تطور الزمن ومتغيرات الكون.
ويوضح عبد الحفيظ أن العالم المسلم الذي تحتاج إليه الأمة في وقتنا الراهن هو ذلك الذي يركز على الجوهر، ولا يقف طويلاً أمام العرض، ولا يتسلق وراء هامشيات ليست من صلب الدين أو العلم، مذكرًا أمته أن مشكلتها تكمن في الاستغراق في القضايا الجزئية والخلافات المذهبية والسياسية، وأن خلاصها لا يكون إلا بالتخلص من الضعف والتشرذم والتبعية.
ويؤكد عبد الحفيظ وجود عدد من الصفات يجب أن تلتصق دائمًا بالعلماء بصفة عامة والعلماء المسلمين بصفة خاصة أهمها صفة «الحق» الذي لا يقبل التجزئة فلا يقول العالم المسلم نصف الحقيقة أو جزءا منها أو أن من الحقيقة ما يلائم وضعه ويبرر أهدافه أو أن يقول الحق إذا كان له ويجحده إذا كان عليه. كما يجب أن يتصف العالم أيضاً الكلام لعبد الحفيظ بصفة الموضوعية والنزاهة والبعد عن الجدال بالباطل وإنكار الحق والترفع عن الاستغلال غير الشريف لعلمه أو لي عنق الحقيقة، وتتطلب الموضوعية الالتزام بحقائق الموضوع.
ويرى د. عبد الفتاح عساكر - مفكر إسلامي أن العلماء عليهم واجبات تجاه دينهم ومجتمعهم حيث يجب أن يقرن العالم المسلم رسالته العلمية بأهداف أخرى أهمها الدعوة إلى الله التي تعد فرض كفاية على المسلمين أي يتعين على فئة منهم أن تتفرغ لهذا العمل، ومن هذه الفئة العلماء، نظرًا لامتلاكهم حجة الدليل والمنطق على أن تكون الدعوة بالحكمة لمن يتأثر بالفعل والبرهان ويقتنع بالحقائق والوقائع على وجود الله وعلى صحة دينه، كما يجب أن تكون الدعوة إلى الله مقرونة بالمجادلة بالحسنى أي أن يتخير العالم المسلم أفضل طرق الجدال من ناحية المنطق والعلم والبرهان الساطع، وأن يكون الهدف هو هداية المجادل وليس إحراجه أو تحقيره.
ويوضح عساكر أن العالم المسلم عليه أيضاً الدفاع عن المسلمين وتبني قضاياهم باعتبار أن أمة الإسلام أمة واحدة إذا اشتكى منها عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، وإذا كان نصر المسلم واجبا على أخيه المسلم فما بالنا بالعلماء الذين يمتلكون من العلم والبصيرة ما لم يمتلكه غيرهم، وهذا يتطلب أن يتواجد العلماء في ساحة الأحداث.
خاصة في الملمات التي تحل بالمسلمين من كوارث أو ظلم أو اضطهاد أو جهاد يقوم به شعب مسلم ضد أعدائه ومحاولة إزالة آثار هذه الملمات كل في مجاله من خلال أعداء استراتيجية تقوم على حسن استخدام الموارد البشرية والعلمية والمادية، وكذلك إزالة الشبهات ورد الحملات المغرضة التي يتعرض لها الإسلام من قبل أعدائه. كما يجب على العلماء أيضاً - الكلام لعساكر- التزود عن أخلاق المجتمع المسلم وتزكيته ومواجهة الأخطار التي تحدق به من جراء تلك الفئة التي تعمل على نشر الفاحشة من خلال وسائل الإعلام وقنواته.
ويرى د. عبد الغفار هلال - أستاذ أصول الدين والفقه أنه إذا كانت هناك واجبات على العلماء تجاه مجتمعهم ودينهم فهناك أيضاً حقوق لهؤلاء العلماء على مجتمعهم باعتبارهم صفوة أبنائه وذخيرته في مواجهة الكوارث والملمات، ولعل أهم هذه الحقوق هو إنصافهم ماديًا ومعنوياً، فليس من المعقول أن يحصد الممثلون والممثلات ممن يقدمون الأفلام والقصص التي تدعو إلى الفجور والرذيلة أعلى درجات التقدير المادي والمعنوي بل تتسابق وسائل الإعلام إلى إبراز سبل معيشتهم من مأكل وملبس ومشرب، في الوقت الذي يعاني فيه العلماء من التهميش على كل المستويات
