في قلب بر دبي.. وعلى بعد خطوات من ضفة الخور.. يقبع شامخاً بجمال وحنين.. رغم تطاول الأبنية وعلوها.. باق يحضن حكايات التراث.. وقصص الآثار التي استوطنت البلاد منذ زمن بعيد.. ويستقبل الزوار.. ويضم بين جنباته متحف دبي مباهياً بتاريخ زاخر.. حصن الفهيدي.. الذي شُيد عام 1787 م بهدف حماية المدينة وحراستها في القرون الماضية، وتم افتتاحه رسمياً عام 1971 ليكون مقراً لمتحف دبي.
في الساحة الخارجية للحصن، تستريح سفينة صيد خشبية على منصة عالية.. وترمز إلى الحياة البحرية في الإمارات.. والمهن التي مارسها الأهالي منذ القدم.. بدءاً بالغوص والصيد.. وانتهاءً بصناعة السفن والشباك والقراقير.. للحصن بوابتان، صممت الأولى بحيث تكون مدخلاً.. والثانية مخرجا للزوار بعد رحلة التجوال في صالاته، أما الساحة الداخلية للحصن فتضم مجموعة من القوارب الخشبية، الصغيرة والكبيرة حسب استخداماتها، مثل البانوش والسنبك والعبرة والهوري، إلى جانب أدوات أخرى استخدمت في المنزل، كالطوي، وهو البئر، والفنطاس وهو خزان لحفظ المياه. إلى جانب مدفع نحاسي متوسط الحجم، يعود إلى 1785 واستخدم في القرن التاسع عشر الميلادي، هناك أيضاً تقف المنامة، وهي جلسة مرتفعة خشبية القوائم، تبنى في فناء المنزل يجلس عليها الأهالي للتسامر في ليالي الصيف الحارة.
ويعرض المتحف جوانب مختلفة لحياة الإنسان الإماراتي، ولم يغفل القائمون على المتحف، إلقاء الضوء على أدق تفاصيل حياة البداوة ورعي الأغنام، والأنشطة الزراعية وسبل ري النباتات.. إلى جانب حياة أهل المدينة وسكان السواحل، ومختلف نشاطاتهم التجارية اليومية. بالإضافة إلى معروضات عدة، تصور مهنة الغوص على اللؤلؤ والأثقال والموازين المستخدمة في بيع اللؤلؤ، إلى جانب الآثار التي تشير إلى تعاقب عدد من الحضارات التي يعود تاريخها إلى القرن الثالث قبل الميلاد.
التجارة والصيد
عند الدخول إلى القاعة الرئيسية، وعلى صوت النهام وأنغام أغاني البحارة، تستقبلك نماذج ومجسمات صممت خصيصاً لتنقل الزائر صوتاً وصورة إلى عوالم قديمة، عبر صور حية تمثل أنماط الحياة ودبي، وتشمل نواحي عدة، مثل بناء القوارب الصغيرة والسفن الكبيرة، إلى جانب عدد من التماثيل الشمعية للرجال والنساء الذين يرتدون الزي التقليدي، ويمارسون عدداً من المهن، مثل صناعة القوارب الخشبية والسفن، الغوص وحياكة الشباك المستخدمة في الغوص.
تنتقل بعدها إلى ممرات متفرعة، تنقل الزائر إلى عدد من الدكاكين المصطفة، والتي يمثل أصحابها عدداً من المهن الرائجة قديماً مثل صياغة الذهب، وبيع اللؤلؤ والعطارة وصناعة الفخاريات وورش النجارين والخياطين وتجار المنسوجات والتوابل المستوردة من الهند والسند، وبيع التمر.
وكانت منطقة الخليج العربي قلب تجارة القوافل قديماً، واشتهرت كونها ممراً ومعبراً تحط فيه القوافل تجارتها في منطقة وسط بين المشرق والمغرب، فقد جذبت أسواق دبي التجار في القرن التاسع عشر عبر موانئها من الهند وإيران والساحل الشرقي لإفريقيا.
القرى والبدو
شكل البدو ملمحاً أساسياَ من التركيبة التي تميز المجتمع الإماراتي، فعاشوا في ربوع الجزيرة العربية، وتميزت حياتهم بأنشطة وممارسات واضحة ومتواجدة في صالات المتحف، وكان الجمل حاضراً كوسيلة مواصلات رئيسية، ومصدراً للغذاء والسكن، فكان يستفاد من لحمها وحليبها ووبرها، الذي استخدم في بناء خيام الشعر المنسوجة من وبر الإبل والأغنام، وتجسد التماثيل الشمعية عدداً من المهن، مثل رعي الأغنام التي استوطن أهلها الجبال الوعرة.
أما المجتمعات القروية فتميزت بأنشطتها الزراعية، وطرق الري التي انتهجها الأهالي هناك في محاولة لزيادة الإنتاج الزراعي، إلى جانب عرض الآلات والأدوات المستخدمة في التروية مثل الآبار والأفلاج ودورها في تحديد وجهاتهم وتنقلهم، والأمطار التي تسهم في تكون الأفلاج والينابيع، وتُعد منطقتا حتا والعوير من أغنى مناطق الإنتاج الزراعي.
ويحتوي الجناح كذلك على شرح مفصل للهوايات السائدة عند البدو والمزارعين، مثل تربية الجمال والصيد بالصقور.
تعرض الصالة كذلك الأزياء والملابس الخاصة بكل منطقة، فحياة البداوة يغلب عليها طابع الترحال في الصحراء، فجاءت ملابس البدو تقليديةً بسيطة، تشمل غطاءً للرأس وقاية من قسوة الطقس، إلى جانب خنجر معدني، يوضع على الخصر بهدف الزينة أو الدفاع عن النفس، أما المرأة البدوية، فتغلب على ملابسها الألوان الزاهية، وكثرة الحلي الفضية مثل الخلخال والحقب (الحزام) والخواتم.
البحر والسواحل
التوغل في الصالات الداخلية، ينقل الزائر إلى ركن الحياة البحرية، والتي تحتوي على معروضات تمثل تعبيراً حياً لمهن أهالي السواحل الممتدة لأكثر من 70 كيلومتراً على شاطئ الخليج العربي، فالبحر كان الكنز الذي دأب الأهالي على استخراج لآلئه.. وخيراته، التي تطلبت منهم احتراف مهن الصيد والغوص، وصناعة السفن لركوب أمواجه، ومهدت لاحتكاك واتصال التجار بثقافات السواحل، كالهند وفارس وإفريقيا.
كما تُعرض أنواع مختلفة من القوارب الخشبية حسب استعمالاتها، فالعبرة تستخدم لنقل الأفراد من وإلى ضفتي الخور، إلى جانب سفن أخرى تستخدم في رحلات الصيد مثل السمبوك والجالبوت والصمعاء والبتيل، وتعرض التماثيل الشمعية طرق استخراج اللؤلؤ وصناعة الشباك وأدوات الصيد.
عمارة فريدة
يكاد يكون طابع الأبنية والعمارة في دبي الأفضل في منطقة الخليج من حيث التصميم، وكانت قد صنعت من مواد بسيطة مثل جذوع وسعف النخل في بناء العريش، والحجارة والطين في بناء البيوت الطينية، وساهمت تجارة اللؤلؤ في ظهور أنماط بناء جديدة حيث استعملت الحجرة الجيرية في بناء أبراج للتهوية (البراجيل)، التي تعد من أول وسائل التبريد.
وتعكس المباني طرق تكيف الأهالي قديماً مع الجو القاسي والحار، حيث كانت تشتمل البيوت على فناء داخلي يسمى الحوي، مع وجود البراجيل، التي تحول الهواء من مختلف الاتجاهات وتدفع به إلى داخل البيت. إلى جانب المنازل، يضم المتحف نماذج عديدة لفن العمارة القديم، تجلى واضحاً في المساجد والمدارس التي غلب عليها الطابع الإسلامي في التصميم.
صناعة السفن
يُسمى صانع السفن «الجلاف»، وتعد صناعة السفن والقوارب من أكثر المهن ازدهاراً لدى أهالي السواحل، وتتعدد أنواع السفن والقوارب حسب استخداماتها، كما تدخل في صناعتها أنواع عدة من الأخشاب المستوردة من الهند وسواحل إفريقيا إلى جانب بعض الأنواع المصنوعة من الجريد مثل «الشاشة»، وازدهرت تلك صناعة القوارب والسفن والأشرعة (الشجيج) في دبي مع بدايات القرن العشرين، حيث كان يتم تصنيع 50 سفينة شراعية كبيرة سنوياً.
آثار ومدافن
يحتوي المتحف على آثار تعود للعصر الإسلامي الأول، السابع والثامن الميلادي، تم اكتشافها في منطقة الجميرا بدبي بمساحة 20 هكتاراً، وهي عبارة عن مدينة متكاملة تشير إلى ازدهار الحياة في دبي في العصر الأموي، حيث كانت محطة للقوافل التجارية التي تقصد بلاد الرافدين إلى عمان وبالعكس.
والآثار عبارة عن أربع مبان منفصلة، الأول يعد مقراً للحاكم، يمتد على مساحة 90 متراً مربعاً، والثاني مبنى مستطيل تحيط به 10 غرف من ثلاث جهات، مكسواً من الخارج والداخل بالجص، أبوابه مزخرفة، وبه فناء كبير، في الوسط تحيط به الغرف ومدخله مواجه للبحر.
وللمبنيين السابقين أبراج دائرية، وسوق تجاري، و7 دكاكين ومخزن وممر داخلي، والدكاكين مصممة على الطراز الإسلامي القديم.
أما المبنى الرابع فعبارة عن آثار بيوت فردية مع ساحات أمامية ومساكن.
أمل الفلاسي

