لا شك أن هذه الصفة الخلقية، عنوان لتمام الإيمان وكماله وروحه الخفاقة، ففي الحديث الصحيح: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له» ولأن الأمانة هذه هي نقيض الخيانة، فإن الخائن لا يمكن أن يكون مؤمنا، بل يكون منافقا، فهذا هو الذي يناسبه، وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله: «يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب».

وفي قوله: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، فمن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر»! وإذا كانت الخيانة خرق لما يتحمله الإنسان من مسؤولية وخروج عن تبعات التكليف، فإن الأمانة هي القيام بأداء ما يعهد إلى الإنسان من تكليفات تحتاج عزما وإرادة لأدائها بدقة.

ومن ثم فليست الأمانة هي حمل ودائع الناس وحفظها فقط، فإن حفظ الودائع وأداءها إلى أصحابها فرع صغير من فروع الأمانة، ولكنه يصلح أن يكون عنواناً ورمزاً عليها، بينما هي أعم وأشمل وأوسع من ذلك بكثير، فإنها تعم كل تكليفات الإنسان ومسؤولياته الخاصة والعامة.

وانظر إلى قول الحق تبارك وتعالى: «يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون، واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم». ولما سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن آيات الساعة فقال: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قيل: وما إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة»!

فالقيام بأداء أعباء المسؤوليات الموكلة إلى الإنسان أمانة وإضاعتها وإهمالها وخرقها خيانة وفسوق عن أمر الله، ولذلك روى عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة، قال: يؤتى بالعبد يوم القيامة وإن قتل في سبيل الله فيقال له: أد أمانتك! فيقول: أي ربي كيف وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال: اذهبوا به إلى الهاوية، وتمثل له الأمانة كهيئتها يوم دفعت إليه، فيراها فيعرفها، فيهوى في إثرها أبد الآبدين، ثم قال: الصلاة أمانة، والوضوء أمانة، والوزن أمانة، وأشياء عددها، وأشد ذلك الودائع!

ولما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - تطبيقا دقيقا بسلوكه وأخلاقه لهذه القيمة قبل البعثة، حتى عرف بين الناس بها فسمي الأمين، حتى ارتبط هذا اللقب باسمه فأصبح عنوانا عليه، وإنه لكذلك، حتى ان أعداء دعوته كانوا يستودعونه ودائعهم رغم عدم قناعتهم بدعوته، وعند هجرته أمر عليا بالمكث بمكة حتى يؤديها إلى أصحابها.

وتعلق الأمانة بشخصه جعله ينقل دعوة الله إلى الناس كما هي، بما فيها من عتاب من ربه، خاصة في حادثة التبني لزيد بن حارثة وزواجه من زينب، وحادث عبد الله بن أم مكتوم، وحادث دعائه على بعض قريش، ونزول «ليس لك من الأمر شيء»، وقضية الأسرى، وغير ذلك مما يدل على أمانته في إبلاغ رسالة ربه كما هي دون تدخل، وهذه الأمانة الحقيقية فإن الصدق أمانة والكذب خيانة.

على عيد