أثار اقتراح لإحدى الجمعيات النسائية في مصر لسن تشريع لتقنين الزواج الثاني ـ أي اقتران الزوج بزوجة أخرى ـ وذلك بوضع ضوابط تشريعية للحد من عملية تعدد الزوجات أثار الاقتراح جدلا واسعا في الأوساط الدينية، حيث رفض علماء الشريعة بجامعة الأزهر هذا الاقتراح.
مؤكدين أن تشريعات الله لعباده في مجال الأسرة هي أفضل التشريعات وأن الشرع الإسلامي لم يوجب زواج الاثنين ولم يحاربه، ولكنه وضع ضوابط لذلك، وأضافوا أن الإسلام أباح تعدد الزوجات لحكم وظروف طارئة وفق ضوابط معينة، وليس في سلطة أحد منع التعدد أو الحجر عليه، لأن التحريم والتحليل سلطة إلهية لم يشرك الله عز وجل فيها أحد معه.
في هذا السياق يقول الدكتور محمد الدسوقي أستاذ الفقه في كلية دار العلوم، وعضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية: إن تعدد الزوجات هو من تشريعات الإسلام الحكيمة أو من فقه الطوارئ في الإسلام الذي يعالج نوعا من الخلل إذا تعرض له المجتمع في وقت ما كأوقات الحروب وذهاب الكثير من الرجال إلى ميدان القتال وزيادة عدد الإناث على الذكور.
في مثل هذه الظروف يكون تعدد الزوجات لوقاية المجتمع من الفساد، وأن تحصن ثلاثة أرباع إناثه أو أقل، ويبقى الربع الرابع معرضا للانحراف. ويضيف: لا يفيد في مثل هذه الحالات إلا مبدأ تعدد الزوجات، ولما كان التعدد علاجا لخلل طارئ فقد تم تطبيقه في بلاد غير إسلامية فمثلا في العام1901 عندما دعت الحكومة الفرنسية آنذاك إلى مؤتمر عام على أثر انتشار اللقطاء في الشوارع .
حتى أصبحت ظاهرة انتشار اللقطاء تؤرق المجتمع الفرنسي؛ حينذاك دعوا إلى عقد مؤتمر لمواجهة هذه الظاهرة فكان من أبرز الحلول التي اقترحت من المشاركين في المؤتمر ومنهم رجال الكنيسة تطبيق مبدأ تعدد الزوجات الإسلامي. ويؤكد الدسوقي أن هذا المبدأ ليس في حاجة لتعديل بشرى فهناك بعض الضوابط التي أحاطها الله به في كتابه العزيز منها أن الدعوة إلى التعدد حاجة معتبرة شرعا.
وأن يكون الرجل قادرا على الزواج بأكثر من واحدة، وأن يحرص كل الحرص على العدل بين زوجاته لأن الإسلام يحيط أوامره وتشريعاته بالعامل الأخلاقي لدى المكلف أكثر من التعويل على ولي الأمر أو الحاكم فإذا توفرت هذه الضوابط فالإقدام على التعدد مباح، وليس في سلطة أحد الحد منه أو الحجر عليه.
لأن التحريم والتحليل سلطة إلهية لم يشرك المولى عز وجل معه فيها أحد حتى الأنبياء والرسل غير مأذون لهم أن يحرموا أو يحللوا من تلقاء أنفسهم. ويضيف: إننا لا نتلقى تشريعا وأوامر ديننا من أي جهة على الأرض، وإنما نتلقاها من كتاب ربنا عز وجل، وما استقر عليه التشريع الإسلامي «النقل والاجتهاد».
أما الشيخ فرحات المنجى من كبار علماء الأزهر، ووكيل أول وزارة سابق بالأزهر فيقول: إن الله سبحانه وتعالى قد قنن الزواج قبل أن تطالب جمعيات المرأة بتقنينه فقد وضع الشرع الإسلامي ضوابط للزواج الثاني، ولم يجعل الأمر عشوائيا كيفما اتفق.
ولكن قال لمن يريد أن مثنى أو ثلاث أو ما هو أكثر من ذلك فقال الله تعالى في كتابه الكريم «ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم »إذن هنا قنن شرع الإسلام للرجل في زواجه الثاني أن يشترط فيه العدل البشري قدر المستطاع، ولا يلجأ إلى الزواج الثاني إلا في حالات معينة منها: أن تكون الزوجة عاقرا، أو أن يكون بالزوجة مرض يمنع المعاشرة «الرتق والقرن».
أي أن يكون هناك انسداد أو وجود عظم أو عيب خلقي في المحل الذي لا يستطيع الرجل معه أن يعاشرها، أيضا أن يكون بها شيء منفر بالوجه أو الفم أو الرائحة أو غير ذلك أو أن يكون بالزوجة عيب من العيوب التي ترد بها المرأة كأن يكون بها هوس أو غير ذلك كأن يثبت عليها أمر يغضب الله يتيح للرجل أن يطلب زوجة أخرى.
ويضيف المنجى قائلا: وهناك أمر مهم وهو تعداد الإناث بالنسبة لتعداد الذكور فقد تحدث بعض الحروب زيادة في عدد الإناث فهناك في بعض الدول قد تكون نسبة الإناث أضعاف عدد الذكور، فهل تفضل المرأة أن تكون شريكة في رجل مع امرأة أخرى يكفلها ويعينها أم تظل حبيسة دارها أو دار أهلها دون زوج أو دون قائم على أمرها، وفي النهاية الشرع لم يوجب زواج الاثنين، ولم يحاربه أيضا بمعنى يمنعه.
ولكنه حسب أوامر الشريعة الإسلامية عموما حيث أنها صالحة لكل زمان ومكان كما أنها تأتي بالقواعد العامة لكل مجتمع يشكله بحسب عرفه وعاداته وتقاليده بشرط ألا يتعارض مع النص. ومن جانبه يقول الدكتور عبد الصبور شاهين ـ الأستاذ في كلية دار العلوم والداعية الإسلامي المعروف: إن تشريع الإسلام في الأزواج وبناء الأسرة هو من أفضل وأرقى الأنظمة في العالم .
لأن تشريع من لدن عليم خبير، ولا يمكن لبشر أن يأتي بمثل هذه التشريعات مهما يملك هؤلاء البشر من التقدم والرقى، وأضاف: إن الإسلام جاء بالدواء لعلاج العلل والأسقام التي قد تصيب الهيكل والبنيان الأسري فأباح التعدد أي تعدد الزوجات مثنى وثلاث ورباع، وهذه القواعد التي وضعها الله تعالى لتعدد الزوجات في الإسلام لا يمكن لبشر أن يأمر بتعديل تشريع الخالق عز وجل لأنه هو الأعلم بشؤون خلقه.
ويقول الدكتور عبد الفتاح عساكر أستاذ العقيدة الإسلامية بجامعة الأزهر: نلاحظ أن الشريعة الإسلامية الغراء معنية بإعادة صياغة الإنسان على نحو يجعله عبدا ربانيا لا إنسانا شيطانيا، وما تركت هذه الشريعة جانبا من جوانب إلا وأضاءت فيه مشكاة الحق، ولقد شاء الله لهذا الهدى والنور أن يستقر، وأن يستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ويضيف عساكر: نلاحظ أنه لا يوجد تشريع بشري يضاهي أو يقترب من تشريع الله تعالى من قريب أو بعيد؛ ذلك لأن الذي خلق هو الذي شرع وصدق الله تعالى إذ يقول «ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير»، ويقول سبحانه وتعالى «ومن أصدق من الله قيلا»، وستظل قضية تعدد الزيجات محكا تدور رحاه بين الحق والباطل ما تعاقب الليل والنهار.
ولعل من حكم الله تعالى بأن جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعدد زيجاته حتى لا يكون على الناس حرج فيما أحله الله لهم، ولقد رأينا أصحاب الباطل يشهرون أسلحتهم ويصلطون ألسنتهم على هذه القضية، ويتخذون منها مدخلا للقدح على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصفونه بما برأه الله منه، وستظل هذه القضية قضية شائكة وساخنة.
طالما أننا ببشريتنا الضحلة وبشريتنا المتدنية ننصب من أنفسنا منظرين ومشرعين ومعدلين على أحكم الحاكمين. ويتابع عساكر قائلا: إننا نرفض أي تشريع بديل عن تشريع الله عز وجل في مسألة الزواج الثاني أو الثالث أو الرابع لأن تشريعات الله لعباده في مجال الأسرة أحسن سبيلا وأقوم قيلا.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية
