أقبل رمضان يوقظ الغفلان ويشحذ الأذهان ويزكي النفوس ويحلِّق بالأرواح ويربي الإنسان، فهنيئًا للمرحِّبين به المقبلين عليه. وأقبل يُذكِّرهم بما خصَّه الله به من مضاعفة الجزاء والثواب على الصالحات، وغفران الذنوب ومحو السيئات، وتطهير الإنسان من الأوزار والأدران، لينتبهوا إلى رحمة الله بهم وفضله عليهم ونعمه المعنوية والمادية التي تنهمر عليهم بغير حساب، فتنفجر في قلوبهم مشاعر الحب له والرجاء فيه والحياء منه.

وأقبل يذكِّرهم بأنه كان نقطة تحول في مسار البشرية، التي كانت قد ضلَّت السبيل وأظلمت عليها المسالك، فإذا بالسماء تتصل بالأرض بعد أكثر من خمسة قرون من الانقطاع فتومض الأرض ومضةً يستضيء بها الكون بنور الوحي وإلى قيام الساعة: ؟قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16)؟ (المائدة: الآية 15-16)، فهل هم بالوحي مستمسكون؟

وأقبل ينصر المسلم على نفسه فيجعل زمامها في يده يقودها إلى الخير، ولا يتركها تقوده إلى السوء، فيقوي عزيمته ويدعم إرادته، فيستغني طوعًا وطاعةً لله عن ضرورات حياته إضافة إلى شهواته، ومن هنا يكون أقدر على الابتعاد عن المحرمات؛ وليس ذلك في مجال الماديات فحسب، ولكن أيضاً في مجال الأخلاقيات والسلوك.

فيأمر الإسلام الصائمَ أن ينتصر على طبعه البشري وغريزته في الثأر لنفسه بأن يُعرض عمن يسيء إليه أو يجهل عليه «فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق ولا يصخب وإن سابَّه أحد أو قاتله فليقل إني صائم.. إني صائم»، ويتحكم في لسانه وتصرفاته «مَن لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».

وهذا كله فيه إرغام للنفس على ما تكرهن وهذا هو معنى الصبر الذي هو من أهم مقومات التربية ووسائلها؛ ولذلك جاء في الحديث: «وهو شهر الصبر»، وهذا هو المدخل الطبيعي للنصر، «وأن النصر مع الصبر»؛ فمن أراد أن يجاهد وينتصر فليبدأ بنفسه، فإن قدر عليها كان على غيرها أقدر.

وأقبل ليعلمنا أن العبادات في الإسلام وإن كان جوهرها روحيًّا وأخلاقيًّا وفرديًّا إلا أن لها أبعادًا اجتماعية وسياسية؛ فاتحاد المسلمين في شعور واحد (الإحساس بالجوع والظمأ) من شأنه أن يُذكِّر أغنياءهم بواجبهم نحو إخوانهم الفقراء؛ ليس في هذا الشهر فقط وإنما في كلِّ حين؛ ولذلك جاء في الحديث «مَن تقرَّب فيه بخصلةٍ من الخير كان كمن أدَّى فريضةً فيما سواه».

ووُصف النبي- صلى الله عليه وسلم- بأنه كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان؛ فهو أجود بالخير من الريح المرسلة، وعلينا أيها الأخوة الكرام أخيرًا أن ننتهز هذه الفرصة لنجتمع حول مائدة القرآن الكريم ونجمع قلوب الناس حول دعوة الخير، ونُعمِّر مساجد الله بالمسلمين؛ حتى يصلح الناس بالقرآن وينصلح المجتمع بالصالحين المتقين.. ؟يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ؟ (البقرة: 183).

وفقنا الله جميعًا، وتقبَّل منا ومنكم، وغفر لنا ولكم، وأصلحنا وأصلح بنا