«رمضان أول غير». بهذه الجملة بدأ مجموعة من نزلاء دار رعاية كبار السن في عجمان وأصدقاؤهم حديثهم عن شهر رمضان، مبحرين في ذاكرتهم عن أواصر المودة والتآلف في «الفريج» الواحد حيث كانوا كالأسرة الواحدة يتجمعون ويتبادلون الرأي والمشورة في المجلس «المبرزة» ويتسامرون عقب أداء صلاة التراويح وهم يتناولون الضيافة «الفوالة» في أجواء افتقدوها هذه الأيام ويتمنون أن تعود يوماً.

الوالد إسماعيل وهو أقدم نزلاء الدار يتحسر على أيام رمضان الخوالي ويتذكر الأجواء الجميلة التي كانت تصاحب هذا الشهر الفضيل ويقول: كنا في رمضان نتجمع نحن أهالي الفريج الواحد على مائدة واحدة ويجلب كل شخص صحناً من الطعام الذي طبخه أهل بيته ويأكل الجميع، ويدعون زوار الفريج لمشاركتهم طعام الإفطار، في جو من الألفة والمودة نفتقده هذه الأيام. ويقاطعه الوالد سبيت وهو من نزلاء الدار أيضاً فيقول: أبوابنا لا تغلق أبداً وهي مفتوحة لكل من أراد الدخول إلينا وإذا ما تأخر أحدهم عن أداء صلاة التراويح نرسل في إثره كي نطمئن عليه ونقف على سبب تغيبه فربما كان مريضاً أو أصابه عارض منعه من المجيء والإفطار مع رجال الفريج.

أما اليوم فلا نجد هذه الأجواء إلا عند قلة قليلة من الناس الذين تفرقوا في بيوت بعيدة عن بعضها والأخ لا يدري عن أخيه شيئاً، بل ربما أصاب الإنسان مكروه ولا يجد من يقف إلى جانبه. وحرص مجموعة من أصدقاء المسنين الذين يتوافدون يومياً لزيارة أصدقائهم من نزلاء الدار على مشاركة النزلاء ذكرياتهم عن رمضان فتحدث خلفان حميد الشامسي عن ذكرياته مع الوالد إسماعيل وهو صديق الطفولة ومع رمضان.

وقال: نفتقد هذه الأيام كثيراً من أجواء التآلف والتلاحم والترابط بين الناس وأصبحت القطيعة سمة العلاقة الاجتماعية هذه الأيام وطغت الماديات والاهتمام بالمظاهر على حياة الناس فأصبحنا عندما نجتمع في المجالس وبدلاً من تجاذب الأحاديث ومناقشة المواضيع التي تهم الناس نشاهد التلفاز ونتابع المباريات والمسلسلات الرمضانية في حين كنا نجتمع في ليالي رمضان للعب الألعاب الشعبية والمسامرة وتجاذب أطراف الحديث ونحن نتناول (الفوالة) وهي الضيافة من فواكه وحلويات وشاي وقهوة ولقيمات.

غياب مفاهيم التراحم

سيف حمد الشامسي وهو صديق وزائر دائم لدار رعاية المسنين يتحدث عن رمضان وافتقاد بعض الطقوس والأجواء التي كانت سائدة في تلك الأيام ويقول: نحن بحاجة إلى ترسيخ مفاهيم التوادد والتراحم والحنان بين أبنائنا وفي مجتمعنا عن طريق إحياء العادات الرمضانية التي كانت سائدة في الماضي حيث كان يتجمع الأهل من أبناء وأحفاد على مائدة واحدة في جو أسري يدل على حجم التماسك داخل الأسرة.

أما اليوم فأغلب الأسر لا يتجمع أبناؤها إلا يوم الجمعة فترى أحد الأبناء مسافراً والآخر في عمله والثالث في بيته يفطر مع أولاده، والحمد لله لا نزال نحتفظ بهذه الأجواء داخل أسرتنا وأولادي جميعاً يفطرون معي يومياً.

عبد الرحمن عبيد حسن السويدي وهو زائر وصديق لنزلاء دار رعاية كبار السن يتذكر كيف كان شباب الفريج يركضون خلف المسحراتي الذي اختفى أثره هذه الأيام مع وجود (الساعات المنبهة) والهواتف المتحركة ويقول السويدي لدي ولدان يسكنان معي في البيت نفسه وبناتي متزوجات وهن يأتين لزيارتي يومياً صباحاً ومساء وإلى الآن والحمد لله نحتفظ بأجواء الألفة والمودة والاجتماع أثناء الإفطار.

ويذكر السويدي أنه لم يبق من أجواء رمضان سوى تهادي أطباق الطعام. والسويدي دائم الزيارة للدار ويرى أن زيارة المسنين تكسبه الأجر من الله سبحانه وتعالى كونها تدخل السرور إلى النزلاء الذين لا أبناء لهم ولا أهل كما أنها تشعر المسنين بأن هناك من يزورهم ويقف على حاجاتهم ويحرص على التماس الأجر بزيارتهم.

محمد سليمان المندوس ـ وهو من أصدقاء المسنين أيضاً ـ يترضى على ولده الذي يسكن عنده في غرفة رغم امتلاكه بيتاً لوحده ويقول المندوس كثيراً ما طلبت من ابني أن يسكن في بيته كون الغرفة صغيرة ولا تتسع له ولأبنائه إلا أنه يرفض ذلك ويصر على البقاء معي في البيت نفسه.

ويتذكر المندوس أيام رمضان التي كان فيها التزاور والاجتماع في (المبرزة) المجلس سمة الليالي الرمضانية الجميلة التي كنا ننتظرها من العام إلى العام، ويأمل المندوس أن يعود الحنان والمودة إلى نفوس الناس كي يظلوا كالأسرة الواحدة.

فرصة للتواصل

يرى حافظ رضا حافظ وهو صديق قديم لأحد نزلاء الدار أن رمضان أيام زمان كان فرصة للتواصل والتزاور وكان الجار يسأل عن أحوال جاره ويتفقد احتياجاته. ويردف قائلاً: هذه الأيام مع ما تحمله من كثرة الأموال والخيرات والحمد لله إلا أن هناك أموراً افتقدناها .

ونحن إليها ومن هذه الأشياء صلة الأرحام وبر الوالدين فكثيراً ما نسمع عن أولاد قاطعوا آباءهم ولا يزورونهم إلا في المناسبات ويرفعون أصواتهم فوق صوت آبائهم إلى غير ذلك من أنواع العقوق ولم يدر الأبناء أنهم في يوم من الأيام سيصيرون إلى ما صار آباؤهم إليه.

ولم يعملوا لتلك الأيام ولم يحسبوا لها حساباً. وأوضحت ليلى الزرعوني مديرة دار رعاية كبار السن في عجمان أن هناك شروطاً لقبول المسن في الدار لعل أهمها ألا يكون لديه معيل أو من يقوم بخدمته وأن تكون شيخوخته قد أعجزته عن العمل والقيام بشؤونه الشخصية وأن يكون قد تجاوز الستين من العمر وأن يكون من دولة الإمارات وأن يكون خالياً من الأمراض المعدية وأن يثبت الكشف الاجتماعي والطبي حاجته للدار.

وأضافت الزرعوني أن الترابط الأسري الذي تتمتع به غالبية الأسر الإماراتية هو السبب في عدم تجاوز أعداد نزلاء الدار الـ 11 نزيلاً، 6 مسنين و5 مسنات وأن الموجودين في الدار هم من ليس لهم معيل أو أن حالتهم الصحية تتطلب عناية خاصة تتوفر لهم داخل الدار.

وذكرت الزرعوني أن الدار تحرص على تلبية طلبات الصائمين المسنين من الوجبات الشعبية المشهورة في رمضان كالثريد والهريس واللقيمات، لكي لا يشعر المسن أنه غريب عن رمضان وأجوائه كما أن هناك فعاليات رمضانية خاصة بالمسنين منها محاضرات تقام بالتعاون مع أوقاف عجمان فهناك محاضرة عن (فضل صلة الرحم) وأخرى بعنوان (المفلس في رمضان) وثالثة بعنوان (جدد حياتك في رمضان).

وعن الخدمات التي تقدمها الدار قالت الزرعوني تقدم الدار العديد من الأنشطة لنزلائها منها العلاج المهني الذي يقدم للمسنين يومياً لتحريك العضلات وتنشيط الذاكرة وتنظيم الاحتفالات بالمناسبات الدينية والرسمية والاجتماعية بالتعاون مع المؤسسات المجتمعية، وتنظيم جلسات تراثية شعبية للمسنين ودعوة كبار السن في المنطقة لحضورها وذلك لتحقيق الدمج بين المسنين المقيمين في الدار والمجتمع الخارجي وتنظيم رحلات خارجية ترفيهية وتعارفية وعلاجية للنزلاء للترويح عنهم.

رابطة أصدقاء المسنين

وعن مجموعة أصدقاء المسنين ذكرت مديرة دار رعاية كبار السن في عجمان أنه في عام 2006 تكونت رابطة أصدقاء المسنين وهم مجموعة من كبار السن على صلة بالمسنين نزلاء الدار سواء كانوا أصدقاء الطفولة أو زملاء في العمل أو جيران وكان الهدف منها هو دمج المسنين من نزلاء الدار بالمجتمع الخارجي مع من هم من أعمارهم لكي يستأنس بهم نزلاء الدار ولكي لا يشعروا بأنهم لوحدهم وأن هناك من يهتم بهم ويسأل عنهم.

وطالبت الزرعوني بزيارة المسنين لأن ذلك يدخل الفرحة إلى قلوبهم كما أن يساهم في دمجهم مع المجتمع لأن ذلك من شأنه توليد إحساس لديهم بأنهم ليسوا بمعزل عن المجتمع وأن هناك من يزورهم ولم ينساهم، وهذا بحسب الزرعوني يساهم في تحسين نفسية المسن وإراحته.

زاهر العلي