إن التغير الجذري الذي شهدته الحياة الإسلامية في العصور الغابرة يتطلب منا نحن المسلمين المحافظة عليها لأننا مسؤولون عنها عند الله تعالى فإذا جهل جيلنا مقومات حضارتنا الخالدة وما كانت عليه في العصور الماضية من التقدم والرقي في جميع مناحي الحياة المادية والمعنوية كان هذا الجهل وبالا علينا في هذا العصر المتشعب الأفكار، فمن المهم جدا أن نعرف طبيعة المدنية ومن أين كان منبعها الأصلي هل هي المدنية الحديثة التي ينادي بها المنادون في هذا العصر؟
كلا.... إن المدنية في العصر الجاهلي كانت لا تساوي مدنية عصر النور والمعرفة عصر تحرر البشرية من أدران المعاصي والآثام. وقبل الخوض في هذا الحديث نعرف ما المقصود بالمدنية. فالمدنية كما جاء معناها في المعجم الوسيط من (مدن فلان ـ مدونا: أتى المدينة و(تمدّن): عاش عيشة أهل المدن وتنعم وأخذ بأسباب الحضارة، والمدنية هي الحضارة واتساع العمران) فالمدنية هي تمتع الفرد والمجتمع بالرخاء والأمن والأمان في ظل نظام عادل لا يأكل القوي فيه الضعيف في جميع جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.. مع تشييد المباني التي تلائم المجتمع ومواكبة العصر من تقدم ورقي وازدهار.
لقد كان ظهور المدنّية الحقة التي لا مراء فيها ولا تحريف في عهد ميلاد دولة الحق التي أرست معالم الحياة للبشرية جمعاء في شؤون الحياة العامة والخاصة جاءت هذه المدنّية بروحها ومظاهرها بشكلها ونظامها الذي يواكب حياة الناس فبزوغ هذه المدنية كان في (القرن الأول لهجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم فكانت فصلا جديدا في تاريخ الأديان والأخلاق وظاهرة جديدة في عالم السياسة والاجتماع، انقلب به تيار المدنية.
واتجهت به الدنيا اتجاها جديدا..فإقامة هذه المدنية حكومة قامت على أسس ومناهج متشبعة المبادئ العادلة بين الخلق أجمعين) هذا ومن المعلوم أن دعوات الأنبياء السابقين عليهم السلام لم تتمكن من إقامة مدنية لأن دعوتهم كانت لأقوام معينين ولم تكن عامة للبشرية كما هو الحال لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم الخاتمة فكانت لجميع الناس فهي عالمية وشمولية يقول الله تعالى على لسان نبيه الأمين (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) {الأعراف/158 فكانت دعوته عليه السلام وهجرته إلى طيبة الخير المدينة المنورة فتحا مبينا للإسلام وأهله المنضمين إليه ومحنة جديدة للجاهلية لم تعهدها من قبل، ولم تعرف كيف تخرج من الجاهلية، بدعوة دينية روحية، فإذا هي تصبح نجاة وسعادة وروحا ومادة وحياة، وقوة ومدنية واجتماعا وحكومة وسياسة دين سائغ معقول كله حكمة وبداهة إزاء أوهام وخرافات وأساطير، وشرع إلهي ووحي سماوي إزاء أقيسة وتجارب إنسانية وتشريع بشري، ومدينة فاضلة قوية البنيان محكمة الأساس، يسود فيها روح التقوى والعفاف والأمانة.
وتقدر فيها الأخلاق الفاضلة فوق المال والجاه، والروح فوق المظاهر الجوفاء، يتساوى الناس فلا يتفاضلون إلا بالتقوى، ويهتم الناس بالآخرة فتصبح النفوس مطمئنة والقلوب خاشعة، ويقل التنافس في أسباب هذه الحياة والتكالب على حطام الدنيا، ويقل التباغض والتشاحن، نعم هذه معالم المدنية التي سعد بها البشر من المسلمين وأهل الكتاب الذين عاشوا في أحضان الدولة الإسلامية إبان ازدهارها وقوتها فكانت تلك المدنية ثابتة الأركان متماسكة البنيان يشد بعضه بعضا.
تأثير المدنية الإسلامية على الآخرين: لم يكن تأثير هذه المدنية حديثة الولادة على ديار الإسلام فقط بل تعداه إلى أقطار أخرى وتلقته العقول السليمة بالقبول فانتشار الإسلام في الجزيرة العربية وبلاد فارس وبلاد الهند وغيرها من البلدان التي لا تدين بديانة التوحيد وكان من نتائج هذه المدنية نبوغ علماء من بلاد فارس أسهموا إسهاما وفيرا لخدمة الدين منهم من برع في مجال الفلسفة كالإمام الغزالي (ت 505 ه) ومنهم من برع في مجال الحديث الشريف كالإمام البخاري ( ت 256 ه) ومنهم من برع في مجال اللغة العربية كسيبويه وغيرهم، فهؤلاء كلهم من المسلمين أما غير المسلمين فقد تأثر بعضهم بهذه المدنية وفي هذا الصدد يقول الباحث الهندي ( K.M panikkar ) وهو سفير في إحدى الدول العربية سابقا.
وهو يتحدث عن تأثير عقيدة التوحيد الإسلامية في عقلية الشعب الهندي ودياناته: يقول الباحث (من الواضح المقرر، أن تأثير الإسلام في الديانة الهندوكية كان عميقا في هذا العهد الإسلامي)، إن فكرة عبادة الله في الهناديك مدينة للإسلام، إن قادة الفكر والدين في هذا العصر ـ.
وإن سموا آلهتهم بأسماء شتى ـ قد دعوا إلى عبادة الله، وصرحوا بأن الإله واحد، وهو يستحق العبادة، ومنه تطلب النجاة والسعادة، وقد ظهر هذا التأثير في الديانات والدعوات التي ظهرت في الهند في العهد الإسلامي كديانة Bhgati (ودعوة كبيرة)، هذا ومعظم الديانات في العالم شملها شيء من منابع مدنية الإسلام ولو بالشيء اليسير فلا ينكر أحد ترجمة بعض معاني للغة القرآن الكريم إلى لغات أخري وهذا ما يجعلنا أن نفتخر بلغتنا الحية.
وقد رأت أوروبا النور بعد أن اقتبست من حضارة الإسلام يقول أحد الكتاب الأوروبيين (ما من ناحية من نواحي تقدم أوروبا إلا وللحضارة الإسلامية فيها فضل كبير وآثار حاسمة لها تأثير كبير) ويقول هذا الكاتب في موضع آخر: لم تكن العلوم الطبيعية (التي يرجع فيها الفضل إلى العرب) هي التي أعادت أوروبا إلى الحياة، ولكن الحضارة الإسلامية قد أثرت في حياة أوروبا تأثيرات كبيرة ومتنوعة منذ أن أرسلت أشعتها الأولى إلى أوروبا)، هذا وشواهد تأثير المدنية الإسلامية على البشرية من المسلمين وغيرهم كثيرة ولا ينكر هذا التأثير عاقل.
إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي
