البحر بزرقته الساحرة وساعات رضاه أو سخطه وثرواته التي تختبئ في الأعماق بانتظار من يبحث عنها، يكون أنيس الصيادين في الشهر المبارك، فمن خيراته تمتلئ موائدهم، ومن حكاياته تحلو جلسات السمر، ومن رزقه يعودون إلى أهلهم محملين بهدايا العيد وفرحته، لذا فرمضان في البحر يختلف عنه في البر، والإفطار على متن مركب للصيد له لذة وطعم آخر عنه في أي مكان آخر ،فلايزال الصيادون يتذكرون الأيام الخوالي حين كانوا يقضون أياما على مراكبهم بحثا عن الرزق لهم ولأسرهم.
يتحدث بو سلطان راشد حميد المسيبي عن ذكرياته في رمضان أيام البحر قائلا: «قبل عشر سنوات كنا نخرج للصيد بعد منتصف الليل عند الساعة الثانية ونحمل معنا سحورنا الذي يتكون من العيش واللبن والتمر ونبدأ الصيد إلى ما قبل الإمساك بساعة أو نصف الساعة نتسحر في ذلك الوقت ومع الفجر نمسك ونصلي الفجر ونستمر في عملنا حتى العصر ثم نعود من البحر لنصل إلى بيوتنا قبل الإفطار فنفطر مع أهلنا.وأحيانا لا نستطيع اللحاق بوقت الإفطار فنأكل ما يتيسر في البحر ثم نكمل إفطارنا في البيت، وفي السنوات الأخيرة لا يخرج الصيادون في رمضان خاصة في أشهر الصيف حيث يكون الصيد قليلا، ولا يناسب الجهد الذي يبذله الصياد مع تعب الصيام».
ويعود بنا الحاج سيف عبيد «بوسالم» إلى سنوات أبعد حيث يقول: «في الماضي لم نكن نعرف غير الصيد وسيلة للرزق، فلم تكن هناك مدارس ندرس فيها فنحصل على وظيفة، لذا كان رزقنا من الطبيعة فأبناء الصحراء رزقهم من هناك وكذلك أهل الجبل، ونحن أبناء البحر نخرج للصيد في البحر.
ولم يكن العمل مقتصر على عمر معين فالولد بعمر العشر سنوات يعمل في الصيد وكذلك الشيبة الذي يجد في نفسه القوة للعمل، وكنا نذهب بمراكبنا إلى السعودية والبحرين، ونبقى عشرة أيام أو أكثر في البحر، حيث نصيد في مياهنا ونبيع في البحرين، وكذلك نصيد في المياه البحرينية، وفي رمضان يكون إفطارنا في مراكبنا، حيث نفطر عيش وسمك وتمر، وكنا جميعا أخوة في اللنج الواحد تجمعنا العشرة الطيبة والتعاون، ونتفاءل في شهر رمضان ببركة الرزق، سلامة العودة».
وحول أنواع الأسماك التي تعد للإفطار يقول أبو سالم: «نحن نصيد أنواعا مختلفة من السمك وتكون جميعها طازجة لذا نختار الأفضل للإفطار ونحاول التنويع فيها فلا يوجد غير السمك طعاما لذا نختار الزريدي والصافي والحلوايوه أو الحمام والهامور للمجبوس، ويعتمد الأمر على مهارة الطباخ المتخصص في الطبخ للصيادين».
الطبخ على مراكب الصيد
ويبدو الطباخ في مراكب الصيد ذا أهمية خاصة تعتمد على مهارته في الطبخ خاصة في الشهر الفضيل حيث يقول حميد عبيد «بو محمد»: «في مركب الصيد يتوزع العاملون حسب اختصاصهم إلى نوخذه وهو قائد المركب وصاحبه، والدريول وهو الشخص الذي يتابع عمل ماكنة المركب، والطبخ الذين تقتضي مسؤوليته تحضير الطعام للصيادين، ويمكن أن يعمل هؤلاء مع الصيادين الذي يشكلون باقي المجموعة.
وتكون أجور الطباخ والدريول أكثر من الصيادين الاخرين بسبب المسؤولية التي يتحملونها في عملهم، وطبعا تعتمد الأجور على حجم الصيد وأرباح المركب، والصيد في الماضي لم يكن مهمة سهلة فالصياد يواجه البحر ويتحمل العمل الشاق والابتعاد عن أهله لأيام طويلة فهو قد يقضي شهر رمضان بطوله في البحر.
ولكن الشاب في تلك الأيام لا يجد أمامه سوى العمل، فلم يكن الناس في الماضي من أصحاب الثروات أو الأملاك التي تغنيهم عن الخروج للصيد، لذا يكون التعاون والمؤازرة طريقة الجميع للقيام بالعمل، وكانت مراكب الصيد حين تصل الى شواطئ البحرين تجتمع معا، فتجد أبن عمك أو أخاك أو خالك في أحد تلك المراكب، وكان الناس يعرفون بعضهم البعض جيدا.
وفي رمضان حين يكونون على الشاطئ يجتمعون في المركب الذي يعرف طباخه بجودة طبخه حيث يعد الفطور لجميع الصيادين، وتستمر جلسان السمر والحكايات بين الصيادين، أما في البحر وأوقات الصيد فليس أمامنا سوى العمل، فالصياد ما أن يصلي ويفطر حتى يعود إلى العمل المتواصل لذا كان نهارنا وليلنا عمل دائم لا وقت للسمر فيه».
فطور الصيادين
وتظهر أهمية طباخ مركب الصيد في رمضان حيث تقتضي مهمته إعداد فطور مميز للصيادين الصائمين والمتعبين من الخوض في عمق البحر، لذا يروي الحاج محمد علي المهيري تجربته مع تلك المهنة قائلا: «بدأت العمل طباخا في أحد مراكب الصيد حين كنت في العاشرة من عمري.
وقد علمني الطبخ أحد الرجال الذين عملوا في هذا المجال، وكانت مهمتي لا تقتصر على الطبخ وإنما كنت أشتري ما نحتاجه من مواد على المركب فكنت أشتري الزيت والطحين والعيش والسمن والبزار المطحون ومعجون الطماطم والشاي والقهوة، وحين كنت أصل البحرين أنزل إلى السوق وأشتري كل ما نحتاجه من مواد لطعام الصيد.
وقد مرت علينا حوالي اثنتي عشرة سنة قضينا فيها رمضان في البحر مع شوابنا رحمهم الله الذين علمونا الصبر وقوة التحمل لأيام الصيد الصعبة، لذا كنا نفطر في البحر حيث نطبخ السمك بطرق مختلفة منها الصالونة والبرياني والمحمر والسمك المشوي وغيرها من الطرق التي ننوع بها طعامنا من السمك فليس هناك أي أنواع من اللحوم الأخرى للطبخ، لذا تتنوع الطبخات طردا للملل.
وكانت أيام جميلة سكون التآخي والمؤازرة أساس العمل فيها، فنحن نواجه البحر وفي أيام الريح الشديدة لا يكون أمامنا سوى الصلاة والدعاء والعمل لنستطيع الحفاظ على سلامتنا ونعود لأهلنا برزقنا من صيد البحر».
ويعود أبو محمد ليروي رحلة العودة حين تنتهي أيام الصيد قائلا: «حين يقترب العيد ويكون علينا العودة إلى أسرنا بما حصلنا عليه، فقد يكون ما نحصل عليه مئة روبية لكنها تساوي عشرة آلاف درهم بأسعار اليوم، نذهب إلى أسواق البحرين لنشتري ملابس العيد إضافة إلى الخضار والفواكه.
وكان العازب منا يكون أكثر حرية في الإنفاق إذ يمكن أن يشتري ما يرغب به وقد ينفق كل محصوله في السواق بينما يضطر رب الأسرة إلى الاقتراض من النوخذة لأن ما يحصل عليه لا يكفي لشراء الملابس وإعطاء العائلة مصروفها، والرجل يغيب عن أسرته شهر أو أكثر لا يعرف أخبارها وليست لديه أية وسيلة اتصال بها، لذا كان للعيد فرحة خاصة فهو عودة إلى الاهل وتقديم الهدايا لهم وقضاء أيام العيد بينهم، فهو راحة للصيد وسعادة لأسرته».
دلال جويد

