لما كانت كل الحضارات لا تقوم إلا بالقيم التي تسود المجتمع، ولما كان أي مجتمع ما هو إلا مجموع أفراده بعاداتهم وتقاليدهم، فقد عني الإسلام بتنشئة الفرد منذ طفولته وجعل تربية الأولاد مسؤولية الوالدين والأسرة والمجتمع.

قال الحق سبحانه:«يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا..» (سورة التحريم آية 6) يُحَمِّل بذلك المسلم مسؤولية تربية أولاده،وبدأ بتعليم الناس تربية الأولاد وحقوقهم من قبل أن يتزوج الأب من الأم وذلك في أول حق للولد على أبيه أن يختار أمه، وأمر صلى الله عليه وسلم بحسن اختيار الزوجة لأنها ستكون الأم والمعلمة والمربية وسيتطبع أولادها بطباعها فقال صلى الله عليه وسلم (تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس وإن الأمهات يلدن أشباههن).قال الشاعر:

الأم مدرسة إذا أعددتها

أعددت شعبا طيب الأعراق

وكذلك طلب من ولي المرأة أن يتخير لها الزوج الكفء فقال(إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه إن لم تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض).

والحق الثاني أن يحسن الأبوان تسمية المولود فقال صلى الله عليه وسلم (حسنوا أسماءكم فإنكم تنادون بها يوم القيامة)، وكانوا في الجاهلية يسمون بعض الأولاد بأسماء منفرة أو يسمون الذكر بأسماء الأنثى أو العكس خوفا من الحسد أو ظنا أن هذا يكتب العمر لمن يخشون عليه الموت.

والحق الثالث أن يعلم الأبوان مولودهما دينه بمجرد أن يدرك ويميز بالأفعال قبل الأقوال فلا يسمع من والديه إلا ما يحبان أن يقوله ولا يرى منهما إلا ما يحبان أن يفعله فلا يسمع كذبا ولا خداعا ولا سبا لأنه سيقلد ويتربى على هذه الاخلاق، ولذا قال الشاعر:

وينشأ ناشئ الفتيان منا

على ماكان عوده أبوه

والحق الرابع أن يطعمه من حلال وأن يعلمه كيف يكتسب العمل من كده سواء بالتعليم لينتفع بما تعلمه ويتحصل به على عمل يتكسب منه،أو بالاحتراف لعمل معين يتقنه الوالد ويشرك معه ولده ويعلمه كيف يكون عضوا نافعا في مجتمعه ولا يكون عالة على أحد.

وهكذا رسم الإسلام كيفية بناء الفرد منذ صغره ليصبح عضوا فاعلا في المجتمع بأخلاقه ومبادئه وما استفاده من خبرات خلال تربيته.وقد جاء رجل يشكو عقوق ولده لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب فقال الولد ما هي حقوق الابن على أبيه يا أمير المؤمنين فأجابه: أن يختار أمه وأن يحسن اسمه وأن يعلمه دينه، فقال الولد ما اختار أمي وإنما جاء بها لشهوته ومطامع دنيوية، وما حسن اسمي فقد سماني جعران(حشرة) وما علمني ديني، فقال عمر للرجل: اذهب لقد عققت ولدك قبل أن يعقك.

مصطفى عبد العال أبو زيد