أظلنا الشهر الكريم بروحانياته ونفحاته، شهر القرآن والبذل والعطاء، شهر تنوعت فيه العبادات بين صيام وقيام وتلاوة قرآن وصدقة وإحسان ودعاء واستغفار.. ومن الشعائر التي ارتبطت بالشهر الكريم صلاة التراويح وهي سنة مؤكدة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعد من أداها إيمانا واحتسابا بمغفرة ما مضى من ذنوبه، كما أنها من أسباب الصحة للجسم بعد الفطور...
وعلى الرغم من ذلك كله إلا أنه هناك ظاهرة انتشرت في صلاة التراويح وهي السرعة والتنافس بين الأئمة في الخروج مبكرا تحت دعاوى التيسير على الناس، وذلك بعدم تطويل القراءة أو القراءة بسرعة بشكل يخل بالقرآن الكريم. وقد حذر العلماء من ظاهرة التسرع في أداء صلاة التراويح وقراءة القرآن بشكل يخل به، وعدم الاطمئنان في القيام والركوع والسجود، مؤكدين أن ذلك يمثل إساءة للقرآن الكريم وتلاعب بالعبادة وتفريغا لمضمونها والهدف منها، وقد يؤدي إلى بطلان الصلاة.
يؤكد الشيخ سيد عسكر ـ الأمين العام السابق لمجمع البحوث الإسلامية أن النبي صلى الله عليه وسلم شرع لنا في هذا الشهر المبارك صلاة التراويح، وهي سنة مؤكدة سميت تراويح لأن الناس كانوا يستريحون فيها بين كل أربع ركعات، لأنهم كانوا يطيلون الصلاة، وأداؤها جماعة في المسجد أفضل.
فقد صلاها النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه في المسجد ليال، ثم تأخر عن الصلاة بهم خوفا من أن تفرض عليهم، كما ثبت في الصحيحين عن السيدة عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في المسجد ذات ليلة، وصلى بصلاته ناس ثم صلى من القابلة وكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم، فلما أصبح قال: «قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم» وذلك في رمضان، كما فعلها صحابته رضوان الله عليهم من بعده، وتلقتها أمته بقبول، وقال النبي صلى الله عليه وسلم «من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليله».
أما عدد ركعاتها فلم يثبت فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم والأمر في ذلك واسع فقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: له أن يصلي عشرين ركعة كما هو المشهور عند مذهب أحمد والشافعي، وله أن يصلي ستا وثلاثين كما هو مذهب مالك، وله أن يصلي إحدى عشرة ركعة..
إذاً فإن تكثير الركعات أو تقليلها بحسب طول القيام وقصره، فالحد المحدود لا نص عليه، وكثير من الأئمة في التراويح يصلون صلاة لا يعقلونها ولا يطمئنون في الركوع ولا في السجود، والطمأنينة ركن أساسي منها، والمطلوب في الصلاة حضور القلب بين يدي الله تعالى.
واتعاظه بكلام الله إذا يتلى، وهذا لا يحدث مع العجلة المكروهة، وصلاة عشر ركعات مع طول القراءة والطمأنينة أفضل من عشرين ركعة مع العجلة المكروهة، لأن لب الصلاة وروحها هو إقبال القلب على الله عز وجل، قليل جيد خير من كثير منقوص، وكذلك ترتيل القراءة بتروٍ أفضل من السرعة التي تتسبب في إسقاط شيء من الحروف، وهذا لا يجوز ومنهي عنه، أما إذا قرأ قراءة مبينة ينتفع بها المسلمون خلفه فهذا أفضل، وقد ذم الله الذين يقرأون القرآن بلا تدبر معناه.
أما د. عبد الصبور شاهين عضو مجمع البحوث الإسلامية سابقا فأكد أن صلاة التراويح سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً، فرغب في قيام رمضان من غير أن يأمر فيه بعزيمة، فقال «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»®.
وصلاة التراويح ليست محصورة بعدد، فكان بعضهم يصليها عشرين ركعة وبعضهم يصليها 36 ركعة والبعض الآخر يصليها 11 ركعة، وورد في البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «ما كان رسول الله يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً».
وقال صلى الله عليه وسلم : «الوتر حق، فمن شاء فليوتر بخمس، ومن شاء فليوتر بثلاث، ومن شاء فليوتر بواحدة»، ولم يحد النبي صلى الله عليه وسلم في القراءة حداً لا يتعداه بزيادة أو نقص، بل كانت قراءته تختلف قصرا وطولاً، فكان تارة يقرأ في كل ركعة قدر «يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ»، وتارة قدر خمسين آية، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: «من صلى في ليلة بمائة آية لم يكتب من الغافلين» وعلى ذلك فإن صلى القائم لنفسه فليطل ما شاء.
وكذلك إذا كان معه من يوافقه، وإذا صلى إماماً فعليه أن يطيل بما لا يشق على المأمومين لقول النبي صلى الله عليه وسلم : «إذا قام أحدكم للناس فليخفف الصلاة، فإن فيهم الصغير والكبير، وفيهم الضعيف والمريض وذا الحاجة، وإذا قام وحده فليطل صلاته ما شاء. بينما يقول د. عبد الرحمن العدوي ـ أستاذ التفسير وأصول الدين بجامعة الأزهر: إن التراويح تعتبر من أسباب محبة الرب لعبده كما في الحديث «لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» فإنها من أسباب الصحة للجسم.
كما في الحديث: «عليكم بقيام الليل فإنها دأب الصالحين قبلكم وقربة إلى الله عز وجل ومنهاة عن الإثم وتكفير للسيئات ومطردة للداء عن الجسد» رواه الترمذي، فالصائم يأتي إلى الفطور وهو أشد ما يكون جوعا، فيأكل ويشرب إلى غاية الشبع، ومن لوازم هذا الشبع استرخاء الأعضاء وسريان الفتور فيها، فيستولى عليه الكسل والضعف، فكان في أشد الحاجة إلى التخفيف والهضم، لهذا شرع الله سنة التراويح وما فيها من قيام وقعود وركوع وسجود، فلا يؤديها المسلم إلا وقد استعاد نشاطه وقوته ودبت فيه روح السرور والهناء، وهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى.
وويؤكد العدوي أن ما يفعله البعض من الإسراع المفرط والتسابق في الانتهاء من صلاة التراويح مخالف للشرع، فإن أدى هذا الإسراع إلى الإخلال بواجب أو ركن كان مبطلاً للصلاة، فكثير من الأئمة لا يتأنون في صلاة التراويح وهذا خطأ، لأن الإمام لا يصلي لنفسه فقط، إنما يصلي لنفسه ولغيره، فهو كالولي يجب عليه فعل الأصلح. أما د. أبو سريع عبد الهادي ـ أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر فقال: صلاة التراويح سنة مؤكدة عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وعليه فيجب عدم الإخلال في أدائها كما هو شائع الآن بين بعض أئمة المساجد.
وهذا خطأ عظيم ونقص كبير، يفرغ هذه الشعيرة من مضمونها ويجعلها كالألعاب التي لا يليق بمسلم أن يقف بين ربه على حالتها.. فإذا كان التيسير في القراءة مطلوبا في حال وجود كبار السن والمرضى والأطفال، وخير الأمور الوسط دون تفريط أو إفراط.
القاهرة ـ رءوف سرحان
