حين يسمع المرء حديث فاطمة الجراح مديرة مركزة الجراح الثقافي يتذكر قول المتنبي:

حسن المدينة مجلوب بتطرية وللبداوة حسن غير مجلوب

فتلك المرأة تعبر عن شغفها بحياة البادية بوضوح صارخ يظهر في تعابيرها اللغوية وفي قسمات وجهها وفي أدائها الصلب حتى لتخال أنك تجلس معها في خيمة شعر لا داخل مكتب أنيق مكيف.

وهي تعي مزايا شخصيتها وتتمسك بتربيتها البدوية التي أكسبتها تلك المزايا حيث تمتلك من الهمة ما يجعلها تجمع بين مسؤوليات عدة استطاعت أن توفق بينها وتديرها بنجاح، وهي تتحدث عن علاقتها بحياة البدو قائلة: كنت أصغر البنات والفتاة المقربة لأبي وفي طفولتي كان يصطحبني معه أينما ذهب.

وقد علمني ركوب الهجن وحلب الناقة وقرر أن يكسر حاجز الخوف عندي فنشأت قوية لا أضع شيئا صعبا أمامي، ولم أعرف الخوف أبدا فقد تعلمت أن أحترم أبي ولا أخاف منه لأنه كان صديقي ومعلمي وكنت المدللة عندة ولكن تدليله كان صارما، فقد علمني عيش الحياة البدوية بتفاصيلها، وكان يشارك في سباقات الخير وكنت أشاهد تلك السباقات فلا أرى فيها غير أبي.

أين كان دور الوالدة في حياتك؟

أحيانا حين أنظر إلى حياتي أشعر أنها مرت بمراحل مختلفة عن بعضها، ففي البداية كانت والدتي حفظها الله لا تمانع خروجي مع أبي كوني طفلة ولكن بعد أن وصلت سن الثانية عشر قررت أن أقضي وقتي داخل البيت فلا يجوز أن أخرج مع أبي وبدأ دور الأم التي كانت تتميز بالصرامة في التربية فقد علمتني تدبير البيت وكيفية المحافظة على نفسي واختيار علاقاتي بالناس،.

ولم تكن تستعين بالخدم فتفرض علي أن أقوم بأعباء المنزل لتضمن أني أستطيع إدارة بيتي بشكل صحيح فيما بعد، وكانت لا تسمح لي بزيارة الصديقات أو الخروج إلا بمرافقتها وبعد انهاء ما يتوجب علي من مسؤوليات البيت أو المدرسة، لذا كان دورها كبيرا في تعليمي كيفية التعامل مع بيتي وفي حياتي الزوجية.

ماذا عن دراستك؟

قبل كل شيء كان زوجي هو المشجع الأول لي على إكمال دراستي والدخول في حياتي المهنية فقد كنت قد أكملت الثانوية وتزوجت.

وقد لاحظ زوجي نشاطي ورغبتي بالتعلم فشجعني على إكمال دراستي الجامعية وبالفعل أكملت بكلوريوس إدارة الأعمال من جامعة الشارقة حيث عملت في بلدية عجمان في مجال فض المنازعات العقارية لذا توجهت من جديد إلى الدراسة حيث بدأت بدراسة القانون في جامعة عجمان.

مركز ثقافي

وكيف بدأت فكرة انشاء مركز ثقافي؟

للمركز الثقافي حكاية تمتد لسنوات ماضية قبل دخولي الجامعة حيث ذهبت للدراسة في أحد المراكز، ومشكلتي أني أحاول معرفة كل شيء حولي، فوجدت أن مدير المركز يعطي شهادات امتياز لطلبة لا يحضرون محاضرات الدورات، ولم يكن يعطي الموظفين رواتبهم، فتدخلت في محاولة لمساعدة إحدى الموظفات.

حيث كان هذا المدير يهددها بالطرد ولم يكن يعطيها حقوقها وبالفعل استطعت مساعدتها على أخذ حقوقها كاملة والحصول على فرصة عمل أخرى، وطرحت علي فكرة إنشاء مركز ثقافي، وبدأت بتنفيذ الفكرة ضمن مؤسسة محمد بن راشد لدعم مشاريع الشباب، لكن عدم حصولي على الشهادة الجامعية في ذلك الوقت كان عائقا أمام الحصول على موافقة المنطقة التعليمية لذا سحبت المشروع واستأنفت دراستي حتى حصلت على الشهادة وعدت إلى المشروع الذي تم افتتاحه عام 2006 .

وما الذي يقدمه المركز؟

يقدم دورات تدريبية في الكمبيوتر واللغة إضافة إلى دورات تدريبية للمؤسسات الحكومية والخاصة وفن الخط والفن التشكيلي وإقامة الأمسيات الثقافية والندوات التثقيفية.

هل تشعرين أنك حققت طموحاتك؟

أعتقد أني حققت قدرا كبيرا مما أصبو إليه، وقد كنت أتمنى أن أكون ناظرة مدرسة فقد كنت في المدرسة رئيسة الصف ومسؤولة التغذية، وكنت أشترك في جميع نشاطات المدرسة لذا أعتقد أني عملت على تحقيق طموحاتي منذ أن كنت صغيرة وقد تعلمت معرفة نقاط الضعف ونقاط القوة، وأنه لا توجد أرباح بدون خسائر ولكن يجب أن تكون الخسارة قليلة.

كيف توازنين بين عملك ومسؤوليات بيتك؟

مازلت أعيش حسب التقاليد البدوية فالنوم المبكر والاستيقاظ مع الفجر من أولويات أسرتي وأطفالي، حيث أقوم بتوصيل أطفالي بنفسي بشكل مبكر.

حيث يحضرون دروساً في القرآن الكريم قبل أن تبدأ حصصهم الدراسية، وأحد أطفالي في الابتدائية ينتهي دوامه قبل إخوته فاستعنت له بمدرسة خاصة تنهي معه واجباته اليومية في المدرسة ليعود في الوقت نفسه مع إخوته، وأحاول أن أتابع كل شيء في بيتي حيث أعتمد مسألة تنظيم الوقت بشكل دقيق، لكني أشعر بالتقصير في علاقاتي الاجتماعية والعائلية بسبب ضيق الوقت وعدم قدرتي على القيام بواجبات الزيارات والتواصل الدائم مع الأقارب.

هل هناك وقت فراغ لديك وكيف تقضينه؟

أنا أعمل كل أيام الأسبوع وليس لدي وقت فراغ إلا يوم الجمعة وهي عطلة إجبارية بالنسبة لي، وأنا لا أحب مراكز التسوق ولا حتى الجلوس على شاطئ البحر، وإذا ما كنت حزينة أحب قيادة سيارتي في الصحراء والجلوس على رأس عرقوب لأتأمل الطبيعة من حولي.

وأجمل أيامي هي التي أقضيها في المزرعة بين أشجار النخيل.

تتكلمين مثل كبار السن مع أنك مازلت شابة؟

أحب الجلوس والحديث مع الشواب فعندهم خلاصة خبرات الحياة، وأكثر ما يؤلمني رؤية الشواب في دور العجزة، لأني أشعر بالظلم الذي تعرضوا له من أبناء جحدوا تربيتهم وابتعدوا عنهم وعن رعايتهم وحتى الاستفادة من خبراتهم وحكمتهم في الحياة.

دلال جويد