يتزامن قدوم شهر رمضان الفضيل هذا العام مع وقت العودة إلى المدارس وبدء عام دراسي جديد. مناسبتان كلاهما يتطلب زيادة حجم الإنفاق عن باقي أشهر السنة، فشهر الصوم هو شهر الخير والبركة واجتماع العائلة على مائدة واحدة وقت الإفطار بجانب الأهل والجيران، وشهر الصدقة والزكاة واستقبال العيد بالملابس الجديدة.
كذلك لبداية العام الدراسي الجديد والعودة إلى مقاعد الدراسة طقوس خاصة تتكرر في كل عام من حيث دفع المصروفات المدرسية وشراء الكتب وكافة المستلزمات الدراسية وغيرها، ويفرض وقوع الحدثين في وقت واحد هذا العام على الأغلبية منا التعامل بالتخطيط المسبق مع معدل زيادة الإنفاق الذي نجد أنفسنا واقعين فيه لا محالة، وكيفية مواجهة الحجم الكبير لتلك المصروفات مع الدخل والارتفاع الجنوني للأسعار الذي يلتهم المعاش الصغير والكبير أيضا، البعض لجأ للادخار مسبقا، والآخر انتمى إلى جمعيات والبعض اقترض مبلغا صغيرا من البنوك حتى يفي بالتزاماته المادية. يقول خلفان جمعة موظف في إحدى الدوائر الحكومية فقد حلها بالاستدانة بقرض صغير من البنك قائلا: لا أرغب في الاستدانة من أهلي أو إرغام زوجتي على منحي راتبها، رغم أنها لا تقصر في الإنفاق على البيت إذا احتاج شيئا، فذهبت فورا إلى البنك الذي أتعامل معه وطلبت مبلغا من المال وجدته مناسبا لحل المشكلة، ورأيت في تسديده أيضا سهولة لا تؤثر على سير حياتي ولا ترهقني.
عروض وتخفيضات «مصائب قوم عند قوم فوائد» مثل بدأت به حديثها المحاسبة أميمة سالم وأردفت: قبل بدء الموسم الدراسة يبدأ التجار باستعراض أدواتهم المكتبية معلنين عن تخفيضات وعروض خاصة وغيرها، كذلك تفعل محال السوبر ماركت الكبيرة، والمستهلك يشتري ويكسب التجار وينتعش سوق البيع، الموظف محاصر بارتفاع الإيجارات، وزيادة الرسوم المدرسية، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وارتفاع ضغط الدم بسبب قلة الراتب. وتقسم نجوى محمد وهي تعمل سكرتيرة في إحدى الشركات الخاصة بأنها تمر هذا الشهر بكارثة حقيقية على حد قولها، أما لماذا؟ فتجيب قائلة: لقد عدت منذ أيام قليلة من إجازتي السنوية التي قضيتها في وطني الأم، وقد أنفقت الكثير بسبب شراء التذاكر والهدايا وغيرها، واستعنت ببعض من مدخراتي بسبب الغلاء الفاحش الذي يجتاح العالم في كل السلع الأساسية ثم عدت وكانت التزاماتي تفوق الوصف، فعلي دفع إيجار السكن الذي أخذته على نفقتي الخاصة، ثم مصاريف أولادي الاثنين في المدارس الخاصة.
ثم حاليا الاستعداد لشهر رمضان ، وكنت حائرة بسبب عدم مقدرتي على جمع تلك المبالغ الطائلة، لكنني استطعت حلها عن طريق إحدى زميلاتي في العمل والتي اقترحت علي أن نبدأ في جمعية بين الزملاء والمعارف على أن أكون أول المستفيدين منها.
وتؤكد المدرسة منى التميمي أن تزامن قدوم شهر رمضان مع العودة لمقاعد الدراسة لم يكن أمرا مفاجئا، فالجميع على علم بذلك مسبقا ومنذ انتهاء العام الدراسي، وهذا جعل كل أسرة تعمل لنفسها ميزانية بحجم الأموال التي يمكن إنفاقها حتى يدبروا أنفسهم، وبالتأكيد هذا حدث في بداية العطلة المدرسية وقبل بداية عام دراسي جديد، ومن شعر بأن أمواله لا تكفي استعان بالكريدت كارد وأعتقد أنه حل مناسب، فنحن محاصرون بارتفاعات في أسعار السلع الغذائية التي أصبحت خيالية حيث تتضاعف أسبوعيا وربما وصلت الى300% وهو عبء حقيقي على ميزانية الأسر.
زيادة الميزانية
أما نهال صلاح الدين مسؤولة التحصيل في المصرف العربي للاستشارات والتجارة الخارجية فقد بدأت كلامها بالقول: «الأمور جميعا يدبرها الله سبحانه وتعالى»، وأضافت: تزيد ميزانيتي هذا الشهر بنسبة 7,1 بالنسبة لباقي شهور العام، وذلك لعدة أسباب أولها أن مائدة رمضان عامرة وكبيرة بسبب اجتماع عدد كبير من الناس عليها من الأهل والأصدقاء.
كذلك لا يمكن أن يتكرر تواجد الطعام نفسه الذي أكلناه في اليوم السابق على مائدة اليوم التالي، لذلك نقوم بالطهي يوميا، ثانيا أرسل يوميا بعضا من طعام البيت للصائمين والذين يجتمعون على موائد الرحمن في المساجد، كذلك الزكاة والتصدق على من نراهم في حاجة إلينا، وعن نفسي أنا مع زيادة ميزانية الأسرة في شهر رمضان ولكن أن يكون الأمر مشروطا بإنفاق هذا المال من أجل التقرب إلى الله، وليس للاحتفال المظهري فقط.
وبلهجة ساخرة تدخل في الحوار المهندس أحمد صلاح الدين وتساءل: أية ميزانية تتحدثون عنها، هذا إذا كان لي ميزانية في الأساس، فالغلاء يحاصرنا في كل مكان نذهب إليه بداية من السكن والطعام والمواصلات والملبس والمأكل، والمعاش لا يكفي في الشهور العادية فما بالكم بهذا الشهر؟ حقا لقد أصبحت الحياة غالية جدا وبشكل غير اعتيادي، فهناك كثيرون يعانون من عدم الوفاء بأبسط التزاماتهم المادية، رغم اعتقاد البعض أنهم يتقاضون رواتب جيدة، لكن الحقيقة أن تلك المعاشات تطير بسرعة البرق بعد استلامها من البنك مباشرة.
ضبط الايرادات والمصروفات يساعد الأسرة على تجاوز أزماتها المالية
تحدث عن ميزانية الأسرة في رمضان والذي تزامن قدومه مع افتتاح المدارس، عدد من رجال الصحافة والأعلام والمتخصصين من رجال الأعمال والاقتصاد.
حيث قال الأديب حارب الظاهري رئيس اتحاد كتاب الإمارات: نعم يزداد حجم الإنفاق في شهري رمضان ودخول المدارس، وتزامن الحدثين يجعل ما سوف ننفقه كثيرا ربما ثلاثة أضعاف الميزانية العادية للبيت، لكننا لا نستطيع تفضيل أحدهما على الآخر ولا تأجيلهما، لكن غالبا تتدبر الأمور بسلاسة ويسر، فشهر رمضان شهر كرم وخير وبركة، وعن نفسي أجد متعة حقيقية في التسوق لشراء مستلزمات المنزل من أطعمة ولحوم وغيرها.
وأفضل أن تكون مائدة رمضان عامرة بالأكلات الخاصة به، كذلك فالبيوت عندنا مفتوحة لاستقبال الأهل والجيران والأصدقاء، بل والذين نعرفهم والذين لا نعرفهم على مائدة الإفطار، بجانب ما يوزع على الجيران وللمحتاجين، ولا يمكن أن يمر رمضان دون إخراج الصدقة والزكاة، ثم يأتي بعد ذلك استقبال العيد والاستعداد له.
ولأنه سيأتي في آخر الشهر سيقل العبء المادي، لأننا سنتقاضى المعاشات مرتين الأولى في بداية الشهر والثانية قبل استقبال العيد، كذلك فالعودة الى مقاعد الدراسة أمر حتمي يكلف ميزانية الأسرة خاصة هؤلاء الذين ينتسب أولادهم الى المدارس الخاصة، لكن لا يوجد لدي حل منطقي لأنني لم أفكر يوما بهذا الموضوع وأترك ميزانيتي مفتوحة دون تحديد، فأنا لا أجيد التخطيط بشأن المادة.
أمور محسومة
ترى سيدة الأعمال سحر حسب الله أن المصروفات المدرسية أمر محسوم مسبقاً، لأننا غالبا نعرف حجم المال المطلوب منا إنفاقه، إنما ميزانية الأسرة في شهر رمضان أمر يختلف من عائلة إلى أخرى حسب العرف السائد لديهم، فهناك من ينفقون كثيرا بسبب عزومات الأهل والأصدقاء على مائدة الإفطار،.
ومنهم من يتبرع يوميا لإفطار صائم أو عدد منهم حسب مقدرته، وآخرون اعتادوا على توزيع مواد تموينية لبعض الآسر المحتاجة في بداية الشهر، كذلك الصدقة والزكاة مفروضة علينا ولا يمكن تأجيلها، وشهر رمضان له طقوس احتفالية جميلة من حيث اجتماع الأسرة على مائدة الإفطار يوميا في زمن قلت فرص اجتماع أفراد العائلة بسبب الانشغال في العمل وغيرها.
وهو أيضا فرصة طيبة للتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بكثرة العبادة وإخراج الزكاة والإكثار من التصدق، ورغم أنني مع زيادة حجم الإنفاق في هذا الشهر إلا أنني ضد الإسراف والتبذير وإلقاء ما يفيض من الطعام في سلة المهملات، لأن هذا السلوك يتنافى مع حكمة الصيام التي تدعونا إلى توجيه أموالنا إلى أعمال البر والتقوى، وإدخال البهجة للنفوس المتعبة والحزينة.
مبالغة في الإنفاق
يرفض الإعلامي عبد الرحيم البطيح مدير قسم الأخبار في فضائية أبوظبي مظاهر المبالغة في الإنفاق في رمضان حيث يقول: إنه من المؤسف حقيقة أن تتضاعف ميزانية الأسرة في شهر الصيام، وعلينا أن نحاول تغيير عاداتنا الاستهلاكية في هذا الشهر وغيره من أشهر العام،.
فمعظم الأموال تذهب إلى شراء الطعام وكأن الناس لا يأكلون إلا في هذا الشهر فقط، وهنا أرى أن هناك ضرورة لتصحيح المفاهيم الخاطئة التي نتبعها، ولكنني مع زيادة الإنفاق إذا كانت تلك الأموال تذهب إلى أعمال البر والخير ليستفيد منها فقراء المسلمين، أو بالمساهمة في بناء مدارس ومستشفيات يحتاجها هؤلاء في شتى بقاع الأرض.
ويقول الدكتور عبد العزيز علي حسن المستشار والخبير الدولي في الاستثمار والتنمية البشرية أن هناك بعض الخطوات يجب اتباعها لضبط الميزانية وذلك من خلال تحديد الإيرادات والتي تتمثل في الراتب الشهري أو الدخل الذي يأتي من عقارات أو أراضٍ وغيرها، وذلك مقابل بنود الإنفاق وحجم المصروفات الثابتة مثل إيجار السكن، فواتير الهاتف والكهرباء، دفع أقساط مدرسية أو تأمين أو تسديد قرض، السلع التي يحتاجها المنزل من طعام وغيره، إضافة إلى الجزء المتبقي من (مجموع الإيرادات - حجم الإنفاق= الادخار).
وتعد الميزانية اسبوعيا أو شهريا، أو ربع سنوية أو سنوية سواء كانت خاصة بالغذاء والملابس والرعاية الطبية، ثم تحديد بنود الإنفاق للطوارئ والادخار، ثم يأتي بند تحديد الأهداف من الميزانية سواء كانت أهدافا طويلة المدى، أو أهدافا قصيرة المدى، وتحديد الأشياء الأكثر أهمية ثم الأقل أهمية وعمل موازنة للميزانية لمعرفة هل يكفي حجم دخل الأسرة الحجم المصروف أم لا وهذا يمكنا من تقليل بنود المصروفات حسب دخل الأسرة والإمكانيات المادية المتاحة لها.
إيمان قنديل


