كان المقهى في الماضي مزاراً يوميا للصيادين والنواخذة وأصحاب الحرف المهنية البسيطة بل وللبسطاء من الناس، وعلى طاولات وكراسي هذه المقاهي كانت تدور أحاديث وحوارات تخص الصيد والغوص وأخبار سكان «الفريج» أو الحي.
وفي مرحلة الخمسينيات من القرن الماضي شهدت المقاهي الشعبية حركة انتشار واسعة في الشارقة ودبي ورأس الخيمة وعجمان والعين وأخذت غالبها شكل الطابع الشعبي وتم بناؤها بالطريقة التقليدية بالسعف والجندل والمواد القديمة، وقبل أن تغلق او تتحول المقاهي إلى أماكن لقضاء الوقت والاستمتاع بـ «الشيشة» كانت المقاهي قديما بمواقعها وأسمائها ذات دلالة للمكان والزمان والإنسان.حيث كانت تقام وسط الحي او على البحر ويجتمع فيها أبناء المنطقة، ويقال إن أول مقهى شعبي افتتح في إمارة رأس الخيمة عام 1956 وأسندت إدارته لبحار لم يتجاوز عمره حينذاك السادسة عشرة ويدعى احمد علي الغيص، وكان المقهى يعمل من الصباح حتى المساء ويرتاده الصيادون والغواصون والطواويش، وأيضا من مقاهي رأس الخيمة مقهى «حتور» ويعود افتتاحه إلى أكثر من 50 عاما.
وحاليا يوجد مقهى شعبي في منطقة معيريض بجوار كهرباء رأس الخيمة، أنشأه أصحابه على الطريقة القديمة وتم تزيينه بأدوات من التراث القديم. بعد ذلك انتشرت الكثير من المقاهي في عدد من إمارات الدولة، برزت أكثر في فترة الثمانينات من القرن الماضي ولكن بأشكال أخرى حيث اعتمدت على التراث والفلكلور الشعبي للمجتمع الإماراتي. - المقاهي الشعبية: أول مقهى شعبي افتتح في الشارقة كان قبل بدء الحرب العالمية الثانية حسب رواة «الشواب» بمنطقة السوق القديم بالشويهين (العرصة) ويقال ان الذي افتتحه آنذاك احمد سرباس، ثم بعد ذلك افتتح مقهى آخر في عام 1953 على بحيرة خالد ومازال موقعه قائما حتى اليوم، وفي دبي تم افتتاح أول مقهى شعبي عام 1979 وسمي من يومها «قهوة الكوفة» وأجمل ما يميز المقهى الطراز الشعبي الذي بني عليه من السعف ومواد الجريد والشندل والحصى.
كما زينت مداخله بأبواب قديمة يعود تاريخها لعشرات السنين، ومقهى الكوفة ليس المقهى الأول في دبي، فتاريخ المقاهي في الإمارة يشير إلى عدد كبير من المقاهي وكان أبرزها مقهى «عبد الكريم» بسوق مرشد ويقال انه أغلق في عام 1953، وفي إمارة عجمان افتتح أول مقهى شعبي على الطراز القديم عام 1985 واستعملت في بنائه جذوع النخيل والسعف والحجارة.
كما زود بعدد من البراجيل للتهوية، ولكن لم يعرف أين بالتحديد افتتح المقهى، وفي العام نفسه افتتحت قهوة شعبية في العين بدأت بتقديم أكلات شعبية ثم الخدمات الأخرى، وهكذا أصبحت معظم مدن الإمارات تحتضن العديد من المقاهي الشعبية وظل بعضها يقدم خدماته للجمهور والمرتادين، بينما اختفى البعض وحل محله المقاهي الحديثة والذي أخذت مختلف الأسماء من عناوين للروايات العربية إلى أسماء أشهر المدن والمعالم الحضارية العربية.
المقاهي الحديثة
المقهى حالياً لم يعد قاصرا على كبار السن والحرفيين والعمال البسطاء، لكنه أصبح اليوم يجذب الغالبية من الشباب ومن المتزوجين، حتى أن بعض الأسر أصبحت تفضل قضاء السهرة في المقهى خاصة بعد انتشار المقاهي الحديثة والسياحية، المجهزة بأحدث وسائل الترفيه، كما ان انتشار ظاهرة تدخين «الشيشة» بين الرجال والنساء زاد من عدد المقاهي التي انتشرت في أنحاء كثيرة من إمارات الدولة باستثناء إمارة الشارقة التي تمنع فيها «الشيشة».
ولجذب الرواد والزبائن من مختلف الأعمار فقد أطلق على عدد كبير من المقاهي أسماء تاريخية وأسماء مسلسلات منها مثل «الحلمية، المشربية» كما أطلقت ثلاثية نجيب محفوظ «بين القصرين، قصر الشوق، السكرية» على مقاه في دبي وعجمان وأطلقت أسماء «الفيشاوي والحرافيش ورمسيس ورأس البر والخديوي» على عدد آخر من المقاهي.
وظل مقهى «الاستكانة» ملتقى العديد من الشعراء والملحنين والفنانين الذين يجدون فيه مكانا مريحا لتبادل الآراء والأفكار، كما افتتح عدد من الشعراء الشعبيين مقاهي لهم في دبي وعجمان وأطلقوا عليها أسماء قريبة جدا لهواياتهم وأحدهم أطلق اسم اللاعب الأرجنتيني الشهير «ماردونا» على المقهى الخاص به.
يقول محمد المطروشي «موظف»: أنا لم أواكب المقهى قديماً ولكني اعرف جيدا المقهى الحديث المنتشر اليوم في أماكن عديدة من إمارات الدولة، وحقيقة أجد الجلوس في المقهى فرصة للخروج من قيود الحياة العصرية، كما أجد فيها التسلية البريئة الهادئة البعيدة عن ملل الحياة اليومية.
ويقول علي سرحان «ملحن»: المقهى قديماً له دلالته، ورواده كانوا يعتبرون أنفسهم أسرة واحدة يتبادلون الآراء والأخبار كما كان المطربون والملحنون يتبادلون مختلف الحوارات والبعض يخرج بلحنه من داخل المقهى.
ويقول جاسم المطوع «متقاعد»: زمان كان المقهى مكانا يجمع عددا كبيرا من الناس وتربطهم بأواصر المحبة والصداقة بل لا نبالغ إذا قلنا ان البعض كان يشعر حين يلتقي بأصدقائه وجيرانه بأنه بين أهله ومحبيه، وعلى مقاعد المقهى القديم كان كل منا يتحدث عن همومه ومشكلاته، ونجد من راجحي العقل الحلول لهذه الهموم والمشكلات، وإذا غاب أحدهم سأل عنه الجميع خشية ان يكون قد أصابه مكروه او ألم به طارئ، أما حال اليوم فقد تغير والناس أيضا تغيروا، والمقهى أصبح يحمل صفات البشر الآن، وأصبح مكانا غير الذي عرفناه، ولكنه يبقى من العادات التي لا يمكن محوها أو إلغاؤها.
يقول محمد إبراهيم «صاحب مقهى»: من كان مخضرماً وجمع بين الماضي والحاضر، سوف يستعيد الماضي بحنين خاص ويجعل من الحاضر واقعه، هذا هو حال المقهى في البلدان العربية والأجنبية، أما جيل هذه الأيام فله أفكاره وتوجهاته المختلفة، كما أن نظرتنا نحن أصحاب المقاهي الحديثة نظرة تختلف تماما عن نظرة القدامى، وشخصيا أجد سعادة عندما أجد الأصدقاء في مقهى واحد يجمع بينهم الترفيه البريء والاستمتاع الجيد بالوقت، ونحن بدورنا نعمل على ان نوفر كافة الوسائل الحديثة للترفيه البريء.
ويضيف حمادة البديوي «صاحب مقهى»: المقهى يختلف من مكان لآخر فيما يقدمه من خدمات لزبائنه، ويحرص كل صاحب مقهى على تقديم أفضل الخدمات وأسرعها، وما يميز المقهى الشعبي عن المقهى الغربي، ان المقهى الشعبي هو مكان تلتقي فيه جميع الشرائح من مثقفين ومهندسين وأطباء وأيضا عاملين وبسطاء وجميعهم يقضي الساعات في جو اقرب الى اجتماع الأقرباء والأصدقاء.
وفي اعتقادي ان انتشار العديد من المقاهي بالمواصفات الجيدة والجميلة، ظاهرة صحية ولكن في أطار مراعاة العادات والتقاليد، بحيث لا يكون المقهى مكانا للأطفال دون الـ 18 سنة، ولا يحتل موقعه في حي سكني مكتظ بالناس، لكن المقهى قديما كان أفضل بكثير عن مقهى اليوم من حيث خصوصيته ومفهومه.
جميل محسن


