القرار الذي اتخذته محكمة الجنح الأولى في دائرة محاكم رأس الخيمة بتسليم متهم صغير السن بقضية سرقة لولي أمره، باعتباره حدثاً لا يمكن تعريضه للمساءلة القانونية، بعد أن تلقت الشرطة شكاوى ضد المتهم تفيد سرقته أموالا وهواتف متحركة، ما يشير إلى أنها أصبحت عادةً لدى ذلك الحدث يصعب الفكاك منها.

وفي الوقت نفسه تثير هذه القضية، وقضايا أخرى مشابهة مخاوف عدة، قد تتراءى للبعض انها بسيطة ولا تصل لحد الجريمة، لكنها قابلة للتفاقم إن لم يتم التعامل معها بحذر، وعليه ليس غريباً أن تتساءل إحدى الأمهات «طفلي يسرق ماذا افعل» فنجلها لم يتجاوز الرابعة من العمر، إلا انه يسرق ما لديها وما يمتلكه الآخرون دون ان يعلم انه يقدم على فعل يخالف فيه الشرع والقانون.

ولان الطفل لا يدرك في مرحلة سنية صغيرة ما هو الصواب وما هو الخطأ فان التربويين ينصحون بعدم وصم الطفل الصغير بصفة اللص أو السارق فهذا قد يحصره في هذا السلوك ويعززه فيما بعد. ويكمن الخوف في ان يتوسع الطفل في الفعل إذا لم يتلق العلاج الصحيح في الوقت المناسب، فالسرقة قد تمتد من الوسط العائلي أو المدرسي إلى سرقة المنازل والشركات. وفي هذا الاستطلاع تعريف للدوافع التي تؤدي بالطفل لسرقة اقرانه والمحيطين به وطرق الوقاية منها باعتبارها احد القضايا التربوية الهامة التي يخطئ المربون أحيانا في معالجتها بأسلوب صحيح.

مريم العبيدلي الاختصاصية النفسية في منطقة الشارقة تحدثت في دراسة لها عن موضوع السرقة عند الأطفال، حيث ترى أن السرقة أو ما يعرف بالاستحواذ على ما يمتلكه الآخرون تأتي مدفوعة بأسباب عدة أهمها الحرمان والجهل بمعنى الملكية، أو تأتي بدافع الانتقام والغيرة فيما يلجأ الأطفال إلى هذا الأسلوب للتفاخر والمباهاة وحب الاستطلاع والاستكشاف.

إضافة إلى بعض الأسباب الأخرى كإشباع مشاعر التمرد الكامنة لدى الآباء حيث يحصل الآباء على أشكال متعددة من السعادة اللاشعورية من سوء تصرف طفلهم، فتشبع السرقة مشاعر التمرد الكامنة لديهم، والطفل يشعر بذلك ويستثار فيستمر في السرقة، إلى جانب الدلال المفرط وانخفاض مستوى التدليل وغيرها.

وتشير مريم العبيدلي إلى أن التعرف على دوافع وأشكال السرقة عند الأطفال يمثل نصف الطريق في معالجة هذا السلوك، أما النصف الآخر فهو تصرف وسلوك الوالدين خاصة الأم التي ينبغي عليها أن تراعي في تربية طفلها تعليمه احترام ملكية الغير مع توفير الضروريات اللازمة للطفل وتعويده على طلب الاستئذان وزرع القيم الدينية والأخلاقية في الأسرة وتوضيح مساوئ السرقة وأضرارها على الفرد والمجتمع.

أوقات الفراغ

إضافة إلى ذلك، يجب ملء وقت فراغ الأطفال بما هو مفيد واختيار القصص، والأفلام التربوية المناسبة للطفل حيث ان هناك بعض وسائل التسلية المرئية والمقروءة تحرض الطفل على السرقة، فتظهر السارق إنسانا خارقا يجذب أنظار الآخرين، ويمكن أن يوصف بالذكاء وهنا يكمن الخطر مع التركيز خلق أجواء من العطف والحنان والابتعاد عن أساليب الترهيب مع مراقبة الوالدين لأموالهم قبل تكوّن عادة السرقة عند الطفل حتى لو كانت التربية سليمة.

فيضع المال في مكان معين، كي تكون له حرمته ومهابته، وادعاء بعض الأهل أنهم يرمون بالنقود تحت أرجل أطفالهم، أمر غير مستحب تربويا لعدة أسباب منها انعدام الدافعية في تحصيله والاستهانة بتصرفه بالإضافة إلى ما توسوس به نفس الطفل للإقدام على السرقة تدريجيا.

إعطاء مصروف الجيب للأطفال بين الحين والآخر ومراقبة كيفية إنفاقهم دون إشعارهم بالمراقبة وتوافر القدوة الحسنة في سلوك الكبار واتجاهاتهم الموجهة نحو الأمانة، والابتعاد عن رفقة السوء وتعويد الطفل على عدم الغش في الحياة اليومية أو الامتحانات حيث يمدح بعض الأهل تفوق أولادهم في هذا المجال فيدفعوا بهم إلى السرقة دون أن يشعروا.

القيم الدينية

وترى الاختصاصية الاجتماعية لطيفة خميس الكتبي انه من الصعوبة ان نطلق على من تمتد يد الصغير اليه بالسرقة لأنه لا يدرك خطورة السلوك أو ماهيته، مشيرة إلى انه يتوجب على الأسرة توفير لوازم الطفل ومساعدته في الاندماج مع أقرانه وتبصيره باحترام ملكية الغير وعدم اخذ أي شيء ليس له إضافة إلى غرس القيم الدينية وفي ذات الطفل والتأكيد على ان السرقة محرمة دينيا وضرورة النظر إلى مرتكبها بأنه مجرم اجتماعيا وخارج عن القانون.

وحددت الكتبي الأسباب التي قد يلجأ بسببها الصغير إلى السرقة منها الحرمان أو التقليد أو البيئة الأسرية التي لا توفر القدوة الحسنة أو الأسرة المهملة وغير المتنبهة لسلوكيات أبنائها، وفي بعض الأحيان يسرق الطفل ليظهر شجاعته للأصدقاء إضافة إلى الأسباب الصحية كالإصابة بمرض عقلي يجعله سهل الوقوع تحت سيطرة من هم أكبر سناً والذين يوجهونه بدورهم نحو السرقة.

دور المدرسة

وينصح محمد الخولي معلم لغة عربية التعامل بلين مع الطالب الذي يتخذ من فعل السرقة سلوكا له لكي يتم تقويمه بصورة تربوية سليمة وذلك لا يتأتي الا من خلال الاقتراب من الطالب ومعرفة ظروفه الأسرية ودراسة شخصيته وتوجيهه إلى السلوكيات المحمودة خاصة الأمانة.

مراقبة بلا تشدد

ودعت الاختصاصية النفسية مريم العبيدلي الوالدين إلى عدم التشدد في مراقبة سلوك أطفالهم حتى لا يشعر الواحد منهم انه مراقب دوما، وتعتقد بعض الأسر أنها بذلك تحسن تربية الطفل، فهو لا يستطيع أن يفتح الخزانة أو مكتب والده، أو يمد يده إلى التلفاز، وهي تقتر عليه في مصروفه ولا تستجيب لما يطلبه من لعب، وأدوات خاصة، وهذه الفئة من الأطفال تعاني من التعاسة والثقة المفقودة بينهم وبين ذويهم، ويستغل الطفل بذلك أول فرصة يغفل فيها الأبوان عنه ليحطم كل الموانع التي يضعونها في طريقه ويحصل على الأشياء الممنوعة ويخفيها.

سلوك مرضي

في المرحلة العمرية من 3-7 سنوات عندما يسرق الطفل لا يفعل ذلك بقصد بل بشكل عفوي، بدافع الرغبة في اقتناء الشيء لأنه لم يصل إلى مرحلة النضج العقلي للتمييز بين الصواب والخطأ وما له وما هو ملك للغير.

وفي المرحلة العمرية من سن 10: 15 عاما؛ فإنه يدرج تحت بند السلوك المرضي وينبغي هنا الاهتمام بمعرفة ابعاد المشكلة وأسبابها لوضع الحلول الناجحة للحيلولة دون تخريج مجرم جانح للمجتمع مستقبلا في الوقت الذي كان يمكن فيه ان يكون فرداً صالحاً لمجتمعه ولأمته.

نورا الأمير