قررت الانتقال من منزلي السابق إلى آخر جديد في منطقة الخان، وبعد انتهائي من ترتيبات الرحيل ذهبت إلى مكتب هيئة الكهرباء والماء المسؤول عن المنطقة لدفع التأمين وإكمال إجراءات تصديق العقد في البلدية وغيرها.
ركنت سيارتي خارجاً ودخلت للهيئة وكان أول شيء وقعت عليه عيناي شخص يجلس على كرسي متحرك، لم أكلمه بل اتجهت مباشرة نحو موظف آخر هندي الجنسية لأسأله عن المكان المخصص للدفع، فأشار إلى الكاونتر الفارغ الذي بجانبه، فوقفت أمامه لأقل من دقيقة، فإذا بالشخص الذي لمحته عند دخولي مكتب الهيئة يتجه نحوي بابتسامة ترحيب ويطلب مني الأوراق اللازمة وصورة جوازي وجواز المالك وعقد الإيجار ليطابق صحة المعلومات بين صور الجواز والعقد، فلبيت طلبه وعرفته بنفسي وطبيعة عملي.
وقلت له إنني مكلفة بعمل صفحة خدمات إنسانية وأبحث عن أشخاص كحالته لنشرها في سطور قليل، تبين وضعهم وتسليط الضوء على إنجازاتهم وطموحاتهم وتحديهم ونظرة المجتمع إليهم كأشخاص عاجزين وغير قادرين على فعل شيء، بل إن البعض ينظر إليهم كأنهم عالة على المجتمع. حاولت شرح هذه المعاني بشكل موجز وجمل مختصرة وصوت منخفض حتى لا أسبب له إحراجاً أمام زملائه في العمل.
وعندما أنهيت كلامي رأيت وجهه يشع بالإشراق وشفتيه تفتران عن ابتسامة جميلة وعرفني محمد بنفسه وأعطاني رقم هاتفه ورحب بالفكرة، وتمنى أن أتصل به في أقرب وقت، لأن لديه الكثير ليقوله عن التجربة والمعاناة التي عاشها طوال سنوات الإعاقة.
وكان ذلك بالفعل اتصلت به وأخذت موعداً منه في اليوم التالي للتحدث بالتفصيل عن وضعه.يبلغ محمد السويدي من العمر 32 عاماً، وهو غير متزوج بسبب وضعه الصحي والمادي السيئ، والذي أثر بدوره أيضاً على دراسته فلم يستطع تكملة مشواره العلمي للسبب نفسه، بل اكتفى بالتعليم المتواضع.. يقول إنه أصيب بحمى شديدة عندما كان عمره سنة وأربعة أشهر واصطحبه ذووه إلى المستشفى.
في بداية الأمر رفض الطبيب وخزه بإبرة محقونة بخافض حرارة، لأنها قد تؤثر عليه، لكن سرعان ما بدل رأيه وأعطاه الإبرة في مكان خاطئ، مما شل الأعصاب السفلية لديه بشكل كامل ومنعه من المشي أو الوقوف ثانية على قدميه، وشخص الطبيب حالته ووصفها بشلل الأطفال.
أخطاء طبية
وبقي السويدي على هذا الوضع يتنقل على الكرسي المتحرك من وإلى المدرسة لغاية الصف السادس الابتدائي والذي قرر فيه إجراء عملية تطويل لأعصاب القدم ومحاولة العودة للمشي، لكن الحظ السيئ والأخطاء الطبية كانا رفيقيه مرة أخرى، فكانت نتيجة العملية عكس المتوقع تماماً، لأن قدمه التوت وأصبحت للخلف كما أن هذه العملية قطعت حبال الأمل في معاودة عملية المشي ثانيةً.
رقد محمد في المستشفى مدة ثمانية أشهر وتصلبت أعصاب قدمه سنة كاملة وقطع الدراسة وأصيب بإحباط وخيبة أمل شديدتين، لكن بعد هذه السنة علم، أنه لن يستطع الوقوف على قدميه ثانية، فشعر أن الدنيا أغلقت أبوابها في وجهه، مما جعله يترك الدراسة نهائياً ويجلس في المنزل وينطوي على نفسه، رغم تشجيع العائلة له على ممارسة حياته بشكل طبيعي، لأنها تلقت خبر عدم متابعة حياته بشكل طبيعي والوقوف على قدميه إيماناً بقضاء الله خاصة بعد إقامته في المستشفى مدة طويلة فاقد القدرة على الحركة.
غادر محمد المستشفى وقدمه الملتوية ملفحة بالجبس وكان يذهب للمستشفى كل 20 أو 25 يوماً للغيار لمدة تسعة أشهر، وفي آخر مرة قال له الطبيب إن قدمه ستتلف لو بقية في الجبس، لذا يجب إزالته وعليه الاعتياد على وضعه الجديد، وأخذ محمد بنصيحة الطبيب وحاول التأقلم لكن الصعوبات والتحديات أشد من أن يتحملها من كان في مثل سنه، خصوصاً مشكلة المواصلات التي طالما عانى منها، وذلك لرفض وسائل النقل الوقوف له وإيصاله إلى وجهته، لكن بعد حصوله على رخصة قيادة عام 2000 انحلت المشكلة.
كما أن زيارة الدوائر الحكومية كانت تسبب له إحراجاً بسبب تعاطف الناس معه وإتاحة المجال له لتجاوز صفوفهم، وبقي على هذا المنوال مدة ست سنوات، وبعدها بدأ يبحث عن فرصة عمل واستمر في رحلة البحث عشر سنوات ولم يوفق، فقرر الذهاب إلى صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة وشرح له وضعه بالتفصيل، فأمر بعلاجه وطلب منه أن يختار مكاناً للعمل في إحدى الدوائر الحكومية.
البحث عن شريكه
عن أهم المشكلات التي تواجهه في العمل قال السويدي: أواجه مشكلة أثناء ركني السيارة، وذلك لعدم توفر أماكن خاصة لسيارات ذوي الاحتياجات الخاصة، والمشكلة أن الهيئة ترفض ذلك، وتقول إن البلدية مسؤولة والبلدية تعتبر أن هذا الأمر ليس من اختصاصها.
وهذا يشير إلى عدم وجود خدمات إنسانية حقيقية، كما أنني أواجه مشكلة عند دخولي بوابة العمل لأن الطريق المعد لي قد صمم بطريقة خاطئة حيث إنه عالٍ وحاد ولا استطيع عبوره بمفردي مما يجعلني استعين بأحد الأشخاص كي يسهل عملية دخولي، وهذا يضعني بموقف حرج لا أتمناه لغيري من الناس، فمن الصعب أن يجد الشخص نفسه عاجزاً عن القيام بأبسط الأمور الحياتية اليومية وهذا ما أثر على نفسيتي التي باتت تتحطم مع كل موقف مماثل أواجهه.
ومع هذا ورغم المساعدة كانت قدماي تصطدمان بالحائط، فطلبت من المسؤولين تغيير هذا الممر كثيراً ولم يحدث، فاضطررت لتغييره على حسابي الخاص وبعدها قدمت الفاتورة للهيئة.أما عن الزواج فقال السويدي إن لا يفكر فيه، لأنه لا يمتلك المقدرة المادية على القيام بذلك، خصوصاً أن الأسعار بارتفاع مستمر، وفي حال فكر في الزواج سيرتبط بإنسانة سوية حتى تستطيع مساعدته في الدخول والخروج، ويحمد الله أن إخوانه الثمانية وأخواته الثلاث وفقوا في الزواج.
سمانا النصيرات
