تضم الفجيرة بين سلاسل جبالها الملونة وبساتينها الخضراء على طول الطريق مناطق طبيعية وأثرية تحكي تاريخها العريق وتعبر عن سلسلة الأحداث التاريخية التي مرت بها المنطقة عبر الزمن. ومنطقة ميدق هي إحدى هذه المناطق الجميلة والبعيدة نسبياً عن الأرض الأم الفجيرة، وبعيدة عن أضواء عدسات الكاميرات والطرق المعبدة التي تكشف للآخرين أسرار جمالها وهدوئها، إذ تقع على أطراف منطقة الحنية وبين سلاسل جبال مسافي.

لتقف الفجيرة (المدينة الهادئة) وسط شقيقاتها من مدن الإمارة العريقة كمدينة دبي محتفظة لنفسها بخصائص ومآثر جميلة وهدوء للنفس البشرية لمن يبحث عن جمال الطبيعة الخلابة التي أصبحت من أهم مميزات المدينة المسترخية على شاطئ خليج عمان. ميدق اسم اكتسبته المنطقة نسبة إلى وادي ضخم تجري فيه المياه باستمرار وأصوات خريره يزين المنطقة وينعشها، والذي يعتبر في السابق المصدر الرئيسي لري عشرات المزارع الصغيرة والمنتشرة على السفوح السفلية لجبال المنطقة، التي سكنتها منذ أمد طويل قبائل من الزحوم والقرينات والدهامنة ولكنهم رحلوا عنها عند قيام الاتحاد ليسكنوا مناطق عمرانية مجاورة لها.

ظلت آثارهم في المنطقة تحكي لزوارها كيف كانت أوضاع الحياة آنذاك. ولم تنقطع صلات الأهالي مع منطقة ميدق التي ورثوها عن أجدادهم حيث يحرص الجميع وبشكل دوري على الذهاب للقرية ومعايشة واقعها التاريخي والعناية بأراضيها الزراعية. فتحولت بذلك أرض ميدق إلى مرتع صيفي يضم عوائل الأسر المهاجرة في الصيف للاستجمام بجمال الطبيعة وللحفاظ على موروث الأجداد.

بساتين خضراء

تنتشر على طول سفوح الجبال السفلية لميدق العشرات من المزارع المتشابكة والتي تم فصلها بعوازل حجرية يتعرف من خلالها الأهالي على مزارعهم مثل «اليامود» وهو عبارة عن أحجار توضع فوق بعضها البعض لتشكل هرماً صخرياً فاصلاً أو المحاشم أو «الحضار» وهو عبارة عن مجموعة من الأشجار السدر المقتلعة والجافة والمصفوفة على شكل حاجز فاصل بين أشجار النخيل.

وتقسم المنطقة من حيث شجر النخيل إلى خمسة أقسام «الشقاب» من ناحية الشمال و«الوغلة والحضرمي» من الجنوب في حين الجهة الشرقية من مزارع النخيل يطلق عليه اسم «سميسيم» والجهة الغربية «الوادي». وتمتاز أشجار النخيل في ميدق بإنتاجها لأفضل أنواع التمور والرطب خاصة «النغال» الذي يصنع منه الحسيل وهو التمر المجفف الذي يخزن ويستفاد منه في وقت الشتاء، وتتباين أنواع أشجار النخيل في ميدق بين النغال واللولو والخنيزي والخلاص والأشهل.

والتي يصل عددها إلى 6000 نخلة. كما يتوزع في مزارع ميدق بالإضافة إلى النخيل أشجار المانجو المحلي ذو الطعم المميز ويصل عدد أشجارها المانجو إلى 150 شجرة، وأشهرها (همباة السبيل) التي تعد أكبر شجرة مانجو في المنطقة وعرفه بهذا الاسم لأنها على الطريق ويسمح للمارة بالأكل منها. قد لا تشكل ميدق في الوقت الحالي وجهة سياحية لأهالي الإمارة بسبب الطريق الوعرة التي تؤدي إليها وبعد المكان نسبياً عن المدينة الأم.

ولكن رغم ذلك تحتوي المنطقة على آثار جميلة مثل عيون المياه الطبيعية التي أقام لها الأجداد أفلاجاً تغذي أشجار النخيل في ميدق وتبث روح الحياة في مزارعها رغم تراجع كميات المياه بسبب قلة الأمطار ومن هذه العيون (عين الوغلة التي تصب في الحابوط وعين الحضرمي كما ظهر أخيراً عين مياة مالحة في الجهة الغربية من أرض ميدق).

بالإضافة إلى ذلك وجود قلعة يطلق عليها اسم قلعة ميدق ومجموعة من القلاع الصغيرة المتناثرة على مداخل المنطقة منها قلعتان تعرف إحداهما بالسيبة والأخرى البومة بالإضافة إلى مسجد أثري قديم بني من الحصى وسعف النخيل يعود بناؤه إلى عصور قديمة لم يتم الكشف عن تاريخها بسبب استمرار الأبحاث القائمة على المنطقة من قبل إدارة التراث والآثار في الفجيرة.

وفي حديث مع مدير إدارة متحف الفجيرة أحمد خليفة الشامسي ذكر أن مختصي الآثار العاملين في إدارة التراث غطوا منطقة ميدق أخيراً وقد تم إدراج الآثار الموجودة في المنطقة ضمن جدول الترميم الذي تنظمه إدارة الثراث والآثار في الفجيرة ويعمل هذا النظام على إعادة بناء وترميم كل المواقع الأثرية في الإمارة حسب جدول زمني مدروس.

انتماء

تزخر أرض ميدق بمياة الوديان في فصل الشتاء التي تسقي المزارع وتغذي المياه الجوفية والآبار وأشهر هذه الوديان وادي العيص ووادي سميسيم الذي يصب في وادي ميدق الممتد غرباً إلى منطقة الحنية ثم إلى المنامة.

وفي تلك الواحة الخضراء وسط الجبال وُلد وعاش طوال حياته على أرض ميدق بعيداً عن الناس وصخب المدينة «عبيد الدهماني» رجل تجاوز عمره خمسة وثمانين عاماً، عشق أرض ميدق ولا يخطر في باله أن يفارقها يوماً بنى علاقاته مع نخيلها وأشجارها ويصرح بأنه يعرف كل صخرة من صخورها يعيش على ما تنتجه له أرض ميدق من رطب وحسيل وحطب وعسل وغيرها.

ويتداوى بأعشابها الطبيعية التي تعج بها سفوح الجبال خاصة بعد موسم الأمطار. الذي يعتبره عبيد الدهماني موسم خير لما تحمله الجبال له من ثمرة الفقع الجبلية النادرة وعشب أخضر تستفيد منه أغنامه.

الفجيرة ـ ابتسام الشاعر