حين تلتقيها لأول مرة تتلاشى من ذهنك الصورة النمطية التي رسمتها عن مغسلة الأموات، بل وتتغير تصوراتك التقليدية عن حقيقة الموت فلم تعتم ظلمة التعامل مع الأموات نظرتها المفرحة للحياة، ولم تزدها السنوات التي قضتها في تغسيلهم إلا يقينا بأهمية الإيمان بالله.
إنها عائشة علي الحبسي التي تعرفها منطقة الفحلين في رأس الخيمة بأنها مغسلة الأموات.. وبسؤالها عن بداية تجربتها مع تغسيل الأموات قالت »أم علي« كما تحب أن يناديها الآخرون بدلاً من اسم عائشة:
تجربتي بدأت منذ أكثر من 30 عاماً في منزل أهل زوجي بمنطقة الفحلين في رأس الخيمة ولم أكن قد تعديت العشرين من العمر، لكنني كنت قوية القلب وحاضرة الذهن ولي رغبة في التعلم بشكل عام، وتكونت الرغبة لدي حين كنت أراقب خالة زوجي »عائشة النقبي« التي اشتهرت في تلك الفترة بتغسيل الأموات، وعرضت عليها المساعدة لكنها رفضت لصغر سني وعدم وجود أطفال لدي، لكن إصراري على الأمر دفعها للخضوع إضافة إلى تمكني من تفاصيل المهنة التي تتطلب عدداً من المواصفات الخاصة.
وما هي هذه المواصفات؟
هي في مجملها أخلاق لابد من توفرها في المُغسلة، من حيث الطهر والعفة والسمعة الطيبة القائمة على رسوخ إيمانها وقيامها الدائم بالفروض الدينية، وغض طرفها وحفظ أسرار الأموات مهما كانت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم »من غسل ميتا فكتم عليه غفر له أربعون مرة، ومن كفن ميتا كساه الله من سندس وإستبرق الجنة، ومن حفر لميت قبرا فأجنه فيه أجرى الله له من الأجر كأجر مسكن أسكنه إلى القيامة« رواه أبو رافع.
هذا الحديث يُبين أجر المغسلة في الآخرة، فما أثر هذه المهنة على نظرتك للحياة والموت والآخرة؟
أثرت هذه المهنة في ولم تؤثر في ذات الوقت، فقد عملت قوة شخصيتي على تعلم حب الحياة والتركيز على كسب حسنات العمل الصالح لملاقاة آخرتي بها، لأن تواجدي ومشاهدتي الدائمة للأموات بينت لي بما لا يدع مجالاً للشك أن المسلم الصالح تظهر عليه آثار تقواه بمجرد موته، فتكون ملامحه جميلة ورائحته عطرة وعملية غسله وتكفينه في غاية السهولة واليسر، نتيجة تجاوب جسمه مع عملية التغسيل بصورة تختلف عن عملية تغسيل الأموات العاديين.
ما المختلف في مهنة المغسلة منذ 30 عاما إلى اليوم؟
لا توجد اختلافات كبيرة لأن تفاصيل عملية التغسيل هي مبادئ إسلامية أوضحها الدين وتم تناقلها عبر الأجيال، إلا أن بعض الأدوات والعطور قد تم تغييرها لكنها كلها تدخل ضمن شروط المواد المستخدمة للمتوفى والتي يجب ألا تكون صناعية بل طبيعية، فقديما استخدموا دهن الورد وحديثا دهن العود، كما تم الاستغناء عن تجديل مقدمة شعر المتوفاة »الغرة« ووضعه بمقدمة جبهتها لكونها بدعة.
هل أنت راضية عن الخدمات التي توفرها مؤسسات المجتمع لأصحاب هذه المهنة؟
مؤسسات المجتمع مقصرة جداً في دعم المغسلات المواطنات، أو متابعة احتياجاتهن ومصاعب عملهن، رغم أهمية دورهن في المجتمع وقلة أعدادهن.
بل وأيضاً خطورة فكرة تراجع هذه المهنة وابتعاد المسلمات عنها، ما يشكل إخلالاً في مبدأ مهم في عملية التكفين لأن المغسلة يجب أن تكون مسلمة، إضافة إلى أن وجود مغسلة مواطنة يشكل عامل اطمئنان وراحة للمجتمع، ما يحتم على المسؤولين خلق الظروف المناسبة لاستمرار هذه المهنة بين المواطنات، عن طريق تنظيم الدورات التدريبية للراغبات على أن تكون تحت إشراف مغسلات متمكنات.
وماذا عن تقدير أفراد المجتمع؟
تقدير المغسلة ممتاز على مستوى الأفراد وذلك لأني لا أتقاضى أجراً على هذا العمل، الذي أقصد فيه الثواب فيما عدا كلفة المواد المستخدمة من عطور وقماش، إلا أنه غير كافٍ على مستوى المؤسسات، التي لا نجد فيها تجاوباً مع ثقة الناس فينا ولا تدعمها، فلقد واجهت العديد من المصاعب حين أردت أن أفيد المجتمع المحيط بي.
ولم أجد جهة داعمة لمشروع تعليم القرآن للطالبات وقت الصيف الذي تبنيته، كما باءت محاولتنا تجديد وتوسيع مسجد المنطقة بالفشل لذلك أتمنى من المؤسسات المختلفة في المجتمع أن تتعاطى بثقة أكبر وعطاء مع المغسلين على الأقل لجذب أنظار الجيل الجديد لهذه المهنة، وتعزيز مكانتها.
اتمنى تكفين والدتي
قالت ام علي لم أواجه صعوبات تذكر أو مواقف تبقى بالذاكرة لأني حريصة على عدم التحدث عن الأموات إلا بالخير على مبدأ الستر عليهم، إلا أنني رغم كل قوتي لم أستطع استخدامها في عملية تكفين شقيقتي الوحيدة، والتي ألحت علي قبل موتها أن أقوم بنفسي بعملية تغسيلها.
وليس مرد هذا لاعتراضي على الموت الذي هو حق على الناس لا سمح الله، أو خوفي من تكفين من أحب، لأنني أتمنى أن يمد الله بعمري وأقوم بتجهيز أكبر قدر من المسلمين لآخذ ثواب سترهم ودفنهم وفق الأسس الإسلامية الصحيحة، كما أتمنى أن أقوم بنفسي بتغسيل وتكفين والدتي »أعطاها الله طول العمر«، حتى أتم بري بها حيةً وميتةً، لكن شقيقتي لم تكن كبيرة في العمر وكانت خير أخت افتقدتها وما زلت أفتقدها.
رباب جبارة
