تحظى قضية الهوية الوطنية بالاهتمام الأكبر من جانب مؤسسات الدولة لبحث سبل الحفاظ عليها ومواجهة الأخطار التي تهددها وأسباب ذلك ونذكر ما وجه به صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة بمناسبة الذكرى السادسة والثلاثين لقيام الدولة بجعل العام الجديد عاما للهوية الوطنية وبرر هذا التوجه بقوله: »من لا هوية له لا وجود له في الحاضر ولا مكان له في المستقبل« والهوية الوطنية هي العماد والمصدر الأكبر للقوة وحين تتعرض للطمس أو محاولات المحو يصبح الوطن في خطر جسيم.
أحمد المنصوري المسؤول عن برنامج »وطني« يقول: إن الهوية الوطنية لا يمكن ربطها بالزي ولكنها في الأساس ممارسة وإن المدرسة تعد احدث المؤسسات في بناء شخصية وفكر الإنسان ولكن للأسف التركيز على التحصيل العلمي اثر في الدور التربوي ويقول انه مع تعدد اللغات في مؤسساتنا ولكن شريطة ان تكون البداية للعربية. وبلا شك فإن تعاظم القلق لا يأتي من فراغ بقدر ما يترجم ضرورات واقعية تمليها الكثير من التطورات التي شهدتها الحياة ولعل في مقدمتها مسالة الديمقراطية والحريات الإنسانية العامة التي أتاحت للمجتمع ممارسات شتى وخيارات وبدائل متعددة كانت في نفس الوقت منفذا لظهور دعوات وأفكار خاطئة.
وتمر الهوية الوطنية بأزمة حادة جراء تقلص دور الأسرة وعوامل أخرى إلا إن العامل الكبير الذي زاد هذه الأزمة هو الانفتاح الكبير الذي أتاحته وسائل الإعلام، فالوسائل كما يرى الدكتور في كلية الاتصال سليمان صالح تتطور تقنيا.
بحيث تتيح إمكانيات واسعة للحصول على المعلومات لكن المضمون الذي تقدمه هذه الوسائل أصبح محكوما الى حد كبير بشروط تجارية تستهدف الحصول على اكبر قدر ممكن من الأرباح ونشر الثقافة الاستهلاكية وبعض البرامج التافهة التي لا يمكن ان تساهم في تعزيز الهوية الوطنية كما ان تقليص دور الاسرة والمدرسة يساعد على عدم تعزيز الهوية الوطنية.
ويرى الطالب محمد البشير الدودو أن مقومات تعزيز الهوية الوطنية تتمثل في اللغة والعادات والدين والمظهر الشخصي »اللباس«.
وفي ورقة عمل ذيلت بعنوان الهوية الوطنية في عصر العولمة يرى الطالب حسين عثمان من قسم الهندسة ان العولمة الاقتصادية تروج لفكرة الرأسمال لا وطن له فظهرت الشركات العملاقة متعددة الجنسيات عابرة القارات وعلى جانبيها الثورة المعلوماتية الهائلة.
حيث شتى وسائل الاتصال والفضائيات تساعدها في بث العولمة الثقافية في أوساط المجتمعات البشرية تمهيدا لقولبة البشر كلهم على النمط الغربي مما يساعد الشركات على الانتقال من الأسواق القومية داخل أقطارها وقومياتها إلى نطاق واسع يعم أرجاء المعمورة فتستهلك منتجاتها على نطاق عالمي لان الكل اصبح يحمل نفس الذوق.
مشيرا الى ان هذه المنتوجات التي تستهلك على فضاء كوني تأتي على حساب الاقتصاديات المحلية كما انه أصبح لهذه الشركات صيتا اعلى من صيت الحكومات المحلية نفسها فأحدثت منتوجاتها خللا في اقتصاد الكثير من البلدان كما سببت انعدام الثقة لدى الشعوب بالمنتجات القومية.
وتتحدث الطالبة نوره الكربي عن العولمة الثقافية ودورها في زعزعة الهوية الوطنية باعتبار العولمة الثقافية كما يراها كثيرون محاولة لاستلاب المجتمعات من مقومات هويتها وإدخال انماط غربية في مسعى لتوحيد اتجاهات وسلوكيات كل سكان العالم .
وعن العولمة الاجتماعية قالت إن جهود العولمة انصبت في سبيل تفكيك الأسرة وتقليص دورها في الحفاظ على الهوية الوطنية بمقوماتها من دين ولغة وعادات وتقاليد وهنا زادت الأمور تعقيدا، مشيرة الى ان مجالات العولمة متشعبة فالعولمة الاقتصادية تمهد الطريق لشتى أصناف العولمة كما تستخدم وسائل الإعلام والتكنولوجيا المتطورة في نشر الأنماط الغربية.
وتطرقت إلى تنامي استخدام اللغة الانجليزية في مختلف المجالات وفي مجال التعليم على وجه الخصوص وهو الامر الذي ينذر بخطر يهدد اللغة العربية ومما يزيد الامر تعقيدا تزايد المدارس الأجنبية التي تدرس باللغة والمنهاج الأجنبيين مثل المدارس البريطانية والأمريكية والاسترالية فضلا عن الاتجاهات ا لجديدة في مجال التعليم حيث اتجهت الجامعات الجامعات الى التدريس باللغة الانجليزية .
دراسة علمية
أجرى الباحث سالي فندلو في جامعة الإمارات دراسة خلص فيها أن 47 بالمائة يفضلون الدراسة بالانجليزية مقابل 23 بالمائة يفضلون الدراسة بالعربية بينما يفضل 30 بالمائة الدراسة باللغتين كما بينت الدراسة أن الذين اختاروا الدراسة باللغة الانجليزية عللوا رغبتهم في أنها لغة العصر او لغة التكنولوجيا بينما علل البعض اختيارهم للعربية بأنها فوق كل اعتبار وانها لغة القرآن.
ورغم ان هذه الأرقام تظهر تنامي دور الانجليزية ونطاق استخدامها في المجتمع الإماراتي فهناك بعض الجهود الرسمية للتعامل مع هذه الواقعة والحفاظ على اللغة العربية مثل جمعية حماية اللغة العربية التي بذلت ولا تزال تبذل الكثير في سبيل المحافظة على المقوم الأساسي من مقومات الهوية الوطنية غير ان اتساع دائرة استخدام اللغة الانجليزية يستلزم مزيدا من الجهود.
الأصالة والمعاصرة
إن السبيل إلى التعامل مع العولمة تتجسد في الأخذ بمبدأ الأصالة والمعاصرة، فالصين التي تقود ثورة التكنولوجيا الرقمية لم يمنعها ذلك من ان تحافظ على هويتها القومية وما ينبغي فعله في ظل العولمة هو انتهاج سياسة الانتقاء على المستوى الفردي والرسمي في سبيل تهذيب قنوات التواصل مع الاخر وجعلها تصب فيما يعزز الهوية الوطنية.
ويؤكدها واذا كانت كل الدراسات تشير إلى أن التكنولوجيا ووسائل الإعلام المتطورة لها الدور الرئيسي في طمس معالم الهوية فان تلك التكنولوجيا نفسها ووسائل الإعلام المتطور عينها يمكنها اذا وضعت الاستراتيجيات اللازمة أن تعمل على المحافظة على الأصالة دون فقدان التعامل مع الآخر.
آليات الحفاظ على الهوية الوطنية
تعيش الإمارات خطرا كبيرا في ظل التحديات الداخلية المتمثلة بالخلل السكاني بالدرجة الأولى والسياسات التعليمية والإعلامية في الدولة بالإضافة لعوامل خارجية متمثلة في العولمة الثقافية والانفتاح الاقتصادي وتدخل الأجنبي خصوصا في ظل العولمة بمجالاتها المختلفة وان هذه التحديات لابد أن تأخذ محمل الجد من قبل المسؤولين في الدولة ولابد من التصدي للتحديات الداخلي وعلاجها حتى يمكن مواجهة التحديات الخارجية من خلال تفعيل دور وسائل التنشئة السياسية للحفاظ على الهوية الوطنية عبر اعادة النظر في المربيات لدورهن وتأثيرهن الثقافي على الطفل وتفعيل دور المرأة في ترشيد المشاهدة الاعلامية.
خاصة ما يتصل ببرامج الطفولة وزيادة تفاعل الأبوين ودعم القيم الروحية لدى الاطفال وللمدرسة دور باعتبارها مؤسسة تربوية تعليمية في المحافظة على ثقافة المجتمع وهويته فهي مطالبة بتأكيد الهوية من خلال مساعدة التلاميذ على تحقيق ذاتها وتأكيد الهوية الوطنية الاسلامية لدى الأفراد وتكوين روح الأخوة الإنسانية وبناء وعي اجتماعي قوي متماسك للشعور بوحدة المصير والمصالح المشتركة للوطن اضافة الى خلق ثقافة جماهيرية عبر وسائل الاعلام عوضا عن الثقافات الغربية.
ومن جملة المقترحات وضع رقابة على وسائل الإعلام لان الفضائيات من اخطر الأسلحة التي توجه الى المجتمع كما يجب ان تكون المؤسسات التعليمية منارات للإبداع الفكري والإشعاع الحضاري لصقل شخصيات الطلبة.
ويبقى محور غرس الهوية أمر غير مناط بجهة معينة دون سواها بل هي مسئولية المجتمع كاملا بدءا من الأسرة وانتهاء بمؤسسات المجتمع.
لغات
يرى محمد عبد الرحمن المرزوقي من كلية الشريعة في جامعة الشارقة ان المدارس الأجنبية في الإمارات تزداد وتتكاثر بصورة مطردة حيث تلقى إقبالا كبيرا رغم كلفتها الباهظة وتتمركز فيها عدد من المدارس الأمريكية والبريطانية والكندية والفرنسية.
إضافة إلى عدد آخر يتمثل في الجاليات غير العربية كالهندية والإيرانية فهي وغيرها تساهم في انتشار حالة من الاغتراب الثقافي والاجتماعي، فالذي يتناول جرعة من العلم في مدرسة أمريكية تجده يفتخر بلغته ويمارس لحمايتها مع ما قد تبنيه من أفكار تخالف ثوابتنا.
وتعتبر مسألة تهديد الفضائيات للهوية الثقافية الوطنية من وجهة نظر المرزوقي من أولى المسائل التي تواجه الوطن تحديدا إضافة الى التأثير الكبير الذي لعبه الإعلام في التأثير على شخصية المرأة.
كما تلعب مؤسسات المجتمع المدني وجمعيات النفع العام دورا كبيرا في إبراز وتفعيل الهوية الوطنية وذلك من خلال أنشطتها وأهدافها التي تقدمها كل على حسب فمنها النسائية وهي التي تهتم برعاية الأسرة والمرأة والطفل ومنها الدينية المنوطة بتقديم الوازع الديني في المجالات الاجتماعية المختلفة ومنها المهنية.
حيث تهتم برعاية العاملين بالمهن المختلفة في توجيههم وتثقيفهم ومنها المتعلقة بالفنون الشعبية التي تخدم إحياء التراث والفن الشعبي ومنها الخدمات الإنسانية والثقافية.
نورا الأمير

