ظهرت قضايا الجرائم الاقتصادية على نحو مثير ولافت للانتباه ليس لكونها ذات كم هائل من القضايا الواردة في ملفات الشرطة أو أمام المحاكم في المنطقة الشرقية.
ولكن على أنها من الظواهر الغريبة والجديدة التي استشرت على المجتمع المحلي، فظهرت عصابات تخصصت إما في التحايل أو السرقة أو التلاعب أو التزوير في مختلف أشكاله وصوره، لتصاحبها الدهشة والاستغراب من قبل الجميع خصوصا وأن مثل هذا النوع من الظواهر المستحدثة والدخيلة التي لم يسبق أن عهدتها الجهات القانونية، حيث ارتبطت تلك الجرائم بالطفرة الاقتصادية الكبيرة التي تشهدها الدولة في شتى القطاعات. ولتسليط الضوء على مثل هذه القضايا المثيرة للجدل، ولمعرفة كيف يتم التعامل معها قانونيا، يوضح المقدم سيف محمد الزري الشامسي مدير إدارة شرطة المنطقة الشرقية أن ظهور الجرائم المستحدثة بوجه عام والاقتصادية بوجه خاص، يعود إلى التغيرات التي تشهدها مجتمعاتنا وخاصة في مجالات البنى الاجتماعية والاقتصادية.
وأكثر الجرائم الاقتصادية المسجلة في ملفات شرطة المنطقة الشرقية هما جريمتا سرقة البطاقات الائتمانية وإصدار شيك من غير رصيد. وتتمثل إجراءات الشرطة في هذا الصدد بالقيام بفتح بلاغ قضية كامل، ففي حالة التزام الشخص بدفع المبلغ يتم تكفيله وإنهاء القضية. أما في حالة عدم مقدرة الشخص على دفع المبلغ المستحق فيتم اتخاذ الإجراءات اللازمة تجاهه وذلك عبر توقيفه، ومن ثم إحالة القضية للنيابة العامة للنظر فيها، وتنفيذا لتوجيهات صاحب السمو رئيس الدولة خليفة بن زايد آل نهيان حفظه الله بشأن إخضاع جميع القضايا المالية بما فيها الشيكات المرتجعة لأحكام القانون، إذ تخضع جميع القضايا المالية بما فيها الشيكات المرتجعة وبلاغات البنوك والمؤسسات للقضاء، مع اتخاذ ما يلزم حاليا من إجراءات كما هو منصوص عليها في أحكام القانون.
تزوير المستندات
ومن جانبه يشير سيف الزري إلى أنه لا تكاد تخلو البلاغات المسجلة في ملفات شرطة المنطقة الشرقية أيضا من جرائم تزوير المستندات المصرفية والعملات الأجنبية والمحلية المعروفة. إلا أنه وقبل ثلاث سنوات ماضية ورد بلاغ من إحدى محطات البترول، يفيد عن دفع شخص مبلغ وقدره 200 درهم اتضح بعد ذلك أنها مزورة، وتم تأكيد ذلك عبر إرسال المبلغ إلى قسم الأدلة الجنائية بشرطة الشارقة ليؤكد التزوير.
أما الجرائم التقنية الواردة والمبلغ عنها في قسم البحث الجنائي بإدارة شرطة المنطقة الشرقية جريمة سرقة الخطوط الدولية من الأعمال الغير المشروعة، التي تعتبر من الظواهر الخطيرة التي يواجهها عالم الاتصالات، والتي ينبغي أن تتضافر معها كافة الجهات المختصة، للقضاء على مثل هذه الظاهرة مع معاقبة مرتكبيها وفقا للقوانين والأنظمة المعمول بها في الدولة.
حيث تصنف هذه الجريمة على أنها جريمة سرقة من الجرائم الواقعة على الأموال ويعاقب عليها قانون دولة الإمارات العربية المتحدة على اعتبار أن هذا النوع من السرقات هو بمثابة تحريك مال منقول مملوك لغير الجاني بنية تملكه وبدون رضا المالك أو الحائز على هذا المال، وسرقة الخطوط الدولية لا تختلف عن جرائم السرقة الأخرى فهي تعني الاستيلاء على مال الغير أي أنها مال منقول يساوي بذلك جرائم السرقة على اختلاف أنواعها.
ويبين المقدم الزري بأن قانون العقوبات الاتحادي رقم ( 2 ) لسنة 2006 الخاص بمكافحة جرائم تقنية المعلومات نص على أن كل فعل عمدي فيه بغير وجه حق إلى موقع ونظام معلوماتي سواء بدخول الموقع أو النظام أو بتجاوز مدخل مصرح به، يعاقب عليه بالحبس أو بالغرامة، وكل من توصل عن طريق الشبكة المعلوماتية أو إحدى وسائل تنقية المعلومات إلى الاستيلاء لنفسه أو لغيره على مال منقول أو على سند أو توقيع هذا السند.
وذلك بالاستعانة بطريقة احتيالية أو باتخاذ اسم كاذب أو انتحال صفة غير صحيحة متى كان ذلك من شأنه خداع المجني عليه، يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبالغرامة التي لا تقل عن ثلاثين ألف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين. حيث يتم توقيف المتهمين بتهمة سرقة الخطوط الدولية، وبتهمة مزاولة مهنة بدون رخصة مع حيازة أجهزة غير مرخصة من جهة الاختصاص بقصد الاتصال الدولي.
وبتهمة برمجة الأجهزة الكترونيا بقصد السرقة مع تهمة إدارة منزل بقصد السرقة كل حسب حجم مشاركته في العملية، وعملية سرقة الخطوط بهذه الطريقة تتم بيسر وسهولة بعكس أنواع السرقات الأخرى التي تتطلب كسر الحواجز والزجاج وغيرها، فتحتاج بالتالي إلى رفع البصمات من موقع الجريمة بعكس الأولى التي تتم داخل المنزل نفسه دون الحاجة إلي اللجوء للعالم الخارجي لإتمام العملية على أكمل وجه، ومسألة إثباتها تتم عن طريق المخبرين والمصادر المكلفين بعملية ضبطهم متلبسين.
ضريبة التطور
ويقول القاضي محمد شاهين في محكمة خورفكان الشرعية إلى أن قضايا الجرائم الاقتصادية مرتبطة بالتطور الاقتصادي، لافتا إلى أنه لا يوجد تطور اقتصادي يخلو من جرائم اقتصادية، مشيرا إلى أن مثل هذه القضايا هي قضايا منخفضة إذا ما قورنت بمثيلاتها في الدول العربية أو باقي دول العالم، التي تعتبر جرائم فردية وليست جرائم منظمة من قبل عصابات أو مؤسسات أو منظمات، لذا تأثيرها بسيط على البنية الاقتصادية مقارنة بالقضايا المنظمة.
ويشير القاضي محمد إلى أن مثل هذه القضايا لافتة للانتباه ليس بسبب كمها. ولكن لكونها غريبة على المجتمع المحلي وخاصة في المنطقة الشرقية، وبالنظر إلى ما تتمتع به الدولة من رخاء وأمن ومستوى دخل مرتفع للفرد، الذي قد يستطيع من خلاله سد الذرائع والسبل الموجدة لفكرة الجرائم الاقتصادية عموما أو جرائم الأموال العامة بصفة خاصة.
موضحاً في السياق ذاته أنها قضايا قليلة كما سبق الإشارة إليها، بحيث لا يمكن القول أنها لا تشكل ظاهرة، وإن كانت غريبة على مجتمعنا، فقد تعولمت الجريمة وظهرت أنماط جديدة منها، وأصبحت الجريمة تنفذ عن بعد مثل غسيل الأموال وتحويلها عبر الانترنت، وسرقة البنوك والحسابات التي لم تعد تتطلب لسطو على البنك من موقعه الفعلي، وإنما يمكن أن يكون ذلك الكترونيا بتحويل أرصدة من الحسابات إلى حسابات أخرى في بنوك أو دول أخرى. فمعظم القضايا المطروحة أمام المحاكم في خورفكان قضايا إصدار شيكات من غير رصيد وقضايا الاحتيال.
ويؤكد القاضي شاهين بأن الجرائم الاقتصادية متجددة ومتغيرة، وتتنوع وفق نوع النشاط الاقتصادي، ومن المتوقع أن يزداد نشاط الجريمة الاقتصادية في عصر العولمة، وذلك باستحداث أنماط جديدة منها، نظرا لأن من أهم مظاهر العولمة والتطور زوال الحواجز الاقتصادية بين الدول، وشيوع النشاط الاقتصادي العابر للحدود الوطنية، مما يجعل سوق الجريمة أكثر شيوعا وانتشارا وخاصة الجريمة الاقتصادية، والتي تستفيد من التطورات في مجال التقنيات خاصة والاتصالات عامة، لافتا إلى أن أفضل التدابير الأمنية للحد من تلك الجرائم والوقاية منها العلانية في المحاكمات وجلسات الاستماع والمرافعات، لما بها من تبصرة للناس الآخرين عن طبيعة جرائم احتيالية تمارس في المجتمع.
قضايا نادرة
وفي الإطار ذاته وفيما يتعلق بقضايا الجرائم الاقتصادية يقول محمد الزرعوني وكيل النيابة العامة بخورفكان إن هذه النوعية من القضايا ليست كثيرة بل ونادرة الحدوث، لافتا إلى أن المجتمع الإماراتي بصفة عامة والمجتمع المحلي بالمنطقة الشرقية بصفة خاصة، مجتمع محافظ وقليلاً ما نسمع بجريمة اقتصادية أطرافها إماراتيون في المنطقة، وأغلبها قد تكون من قبل الإماراتيين في إصدار شيكات من غير رصيد.
ويضيف محمد الزرعوني، وبناء على القضايا المطروحة سواء في تحقيقات النيابة العامة أو أمام المحاكم، أن معظم أطراف تلك القضايا هم من العمالة الوافدة بمختلف دياناتها وثقافاتها. ويرى الزرعوني أن الحل لمواجهة ذلك يكمن في تشديد العقوبات في الجرائم الاقتصادية أو التي تمس أموال الصالح العام، لافتا إلى أن الأحكام التي تصدر في تلك النوعية من القضايا حالياً ليست رادعة. لذا لابد من قانون صارم يطبق في مثل هذه القضايا.
ناهد مبارك


