«عطونا الله يعطيكم بيت مكة يوديكم»، هذا هو المقطع الأشهر في ما يردده الأطفال كل عام من الأغاني، والأهازيج الشعبية احتفالاً بمناسبة حق الليلة وهي ليلة تراثية عرفت منذ أجدادنا وتوافق ليلة النصف من شهر شعبان وكان الجميع كباراً وصغاراً يستعد لها بشراء الحلويات، والمكسرات، والتأهب لاستقبال الأطفال بوضع «الجفير» عند فناء المنزل وانتظار قدوم الأطفال.

هذه المناسبة هي «حق الليلة» التي يحتفل بها ليلة النصف من شعبان، واختلفت حالياً طرق الاستعداد لها حيث تقوم كل أسرة بشراء «حق الليلة»، وتخرجه في أكياس مزركشة، وعلب، وصناديق بطريقة مبتكرة ويحمل الأطفال أكياساً عليها صور محببة لشخصيات كرتونية وابتكرت طرق جميلة تحمل عبارات التهنئة بهذه الليلة..

و«حق الليلة» من أهم العادات الشعبية في الإمارات، وهي رحلة للأطفال الذين يجوبون الشوارع مرتدين الملابس الشعبية، ويحملون أكياساً تخاط خصيصاً لهذه المناسبة ليجمعوا، فيها الحلوى، والمكسرات التي يحصلون عليها من أصحاب البيوت مبتهجين بهذه المناسبة التي توارثتها الأجيال.

ومن الأمور الطريفة التي تحدث لهم بعد نهاية ليلتهم أنهم يتباهون فيما بينهم أيهم جمع أكثر من الحلويات، والمكسرات، ويذكرون بشيء من المدح، والثناء صاحب المنزل الذي أعطاهم كمية أكبر ونوعيات مختلفة.

وفي الماضي كان يستعد لهذه المناسبة، بشراء المكسرات، والحلويات، وتوزيعها على الأطفال، ويوضع في كيس كل طفل مقدار «الطاسة». كانت تلك الليلة تحتل حيزاً مهماً لدينا، وكنا نستمتع بمشاهدة أبناء «الفريج» يطوفون المنازل، ويتفننون في إلقاء الأغاني الشعبية، والأهازيج.

وفي السابق كنا ننتظر قدوم الأطفال، وبمجرد سماع صوت غنائهم نتأهب لاستقبالهم بوضع الجفير عند فناء المنزل (الحوش)، ونستاء اذا لم يقم الأطفال بزيارتنا ليأخذوا نصيبهم من الحلويات، والمكسرات.

وكنا نستعد لهذه الليلة بطريقة مختلفة ونقوم بأنفسنا بخياطة الأكياس التي يعلقها الأطفال على رقبتهم، ونشتري الحلويات، والمكسرات التي اعتدنا عليها من زمن آبائنا، وأجدادنا أما اليوم فالأكياس توزع بطريقة حديثة، وفيها الكثير من التكلف بحيث تجعل بعض الأسر تشعر بالفروقات الاجتماعية فيما بينهما، وخرجت من قالب البساطة، وفقدت أهميتها التراثية.

وفي دول الخليج مثل قطر، والبحرين، والسعودية يبدأ احتفال الأطفال بهذا اليوم في شهر رمضان وتسمى (بالقرقيعان) بعد صلاة المغرب مباشرة أما في دولتنا، فيختلف حيث يبدأ الأطفال بالاحتفال بعد صلاة العصر من منتصف شعبان، ويردد الأطفال في هذه المناسبة الأناشيد، التي تختلف كلماتها، وتعبيراتها من دولة إلى أخرى .

ولكن تأخذ طابع الاحتفال نفسه فيستعد الأهالي، والأطفال للاحتفال بهذه المناسبة بشراء المكسرات، والحلويات، وتقوم ربة المنزل بوضعها في إناء (الصينية)، أو (الجفير) وعند قدوم الأطفال تفتح كيس كل طفل منهم، وتضع به نصيبه وفي هذه اللحظة يتدافع الأطفال للوصول الى السيدة التي تقوم بالتوزيع.

ولم تكن مقتصرة تلك الليلة على الأطفال وكان الشباب يشاركون فيها فيتعاملون مع المناسبة بشكل يغلب عليها الفرح والمرح، والغناء فيشكلون فريقاً ويحضرون معهم طولاً، وطارات، ويحملون كيساً من (الخيش) لوضع «حق الليلة» ويتجولون في الشوارع ويقفون أمام البيوت جماعات ويرسمون الفرحة والبسمة على أهل (الحارة).

ومع تطورات الحياة الان من الصعب على الأطفال القيام باللف على المنازل، والتجول لذا أصبحت هذه العادة التي توارثناها من زمن آبائنا، وأجدادنا مختلفة ففي وقتنا الحالي أصبحت الحلويات، والمكسرات، والهدايات تلف في علب أنيقة، وتوزع على بعض الأقارب، والجيران في بيوتهم، وتحمل تلك الهدايا بعض العبارات الشعبية الجميلة مثل «عساكم من عواده».

و«حق الليلة» اختلف لأنه يضم الآن شيكولاته من ماركات مختلفة، وتوضع في علبة خاصة وصناديق خشب وبلاستيك وزجاج، وتصل إلى أسعار مرتفعة ويضم كيس القرقيعان مكسرات وحلويات وألعاباً للأطفال وتحفاً وصوراً تذكارية.

ويستعد الأهل كل عام لهذه المناسبة بشراء أكياس الحلوى والمكسرات وتغليفها بأشكال مختلفة للتوزيع على أفراد العائلة وعلى الأصدقاء حيث يتم وضع أكياس الحلوى، والمكسرات لكل منزل في تحفة أو سلة فاخرة وتكتب الأسماء علي على بطاقات التهنئة كما يتم تزيين الأكياس على أن تتضمن الهدايا التذكارية التي يفرح بها الأطفال كالفوانيس والألعاب الشعبية المعروفة في القديم كالتيلة.

ولكن يمكن القول أن التغيير الذي طرأ على (حق الليلة) طبيعي لأن الزمن تغير في كل مناحي الحياة، لكن الجميل أن المجتمع ما زال مهتماً بالاحتفال بهذه الليلة الجميلة.

ومع ذلك نرفض المبالغة الشديدة التي يقوم بها بعض أفراد المجتمع بإدخال أشكال غريبة، خلال الاحتفال مما يفقد المناسبة الصورة الاجتماعية كاحتفال شعبي له مدلول اجتماعي كبير على الأطفال الذين سوف يحتفلون بهذه الليلة على الرغم من التطور الذي حدث حتى عند الطفل، فلم يعد يغني كما كان نغني نحن مثلاً إذا ما وصلنا إلى المنزل.

اليوم تقدم مبالغ مالية ضمن المكسرات، والحلويات وفي السنوات الأخيرة أخذت طابعاً مختلفاً في اختيار نوعيات ثمينة من الحلويات، والبعض يقوم بصناعة علب معينة، أو أكياس خاصة لأطفال الأسرة، ومصحوبة ببطاقات فاخرة، وتحمل اسم الطفل وصورته ويخصون الأطفال بالألعاب، والدمى إضافة إلى أفخر أنواع الشيكولاته والحلويات والمكسرات الغالية.

والقرقيعان عبارة عن خليط من المكسرات الموجودة في تلك الفترة كالملبس ومقاريع والسبال وجوز الهند وبيذان ونقل ونخي وتين وبرميت والفول السوداني، والحلاوة الإيراني وملبس بيض الحمام أو بيض الصعو بألوانه الأربعة: الأزرق والسماوي، والوردي والأبيض وبعض الحلويات المعروفة في القديم مثل البهلوان والشربت وملاليس كولا وحلاوة أبو الدهن. ويقوم أصحاب البيوت بأخذ مكيال من الحلويات الشعبية والمكسرات ويخلطون الدراهم المعدنية فتجد الأطفال يفرحون بمجرد أن يجدوا الدراهم.

نوف ـ الإمارات