«لا أتخيل أن هناك مشهدا محببا إلي أكثر من رؤيتي لهم متجهين لصلاة الجمعة» قالتها أم محمد بصوت دافئ حنون مغلف بالفخر بزوجها وأبنائها الثلاثة الذين تدرجوا بالطول في ترتيب عشوائي، تبهرك فيه صورة عمر الصغير يمشي بفخر في دشداشته الناصعة البياض كإخوانه ورائحة العود والبخور تفوح منه متجهاً معهم ليصلي رغم عدم معرفته عن الصلاة غير جملة «الله أكبر».
هذا المشهد الأسبوعي الذي يتكرر في منازلنا له أبعاد تتخطى الجانب الديني والروحاني منها، فلصلاة الجمعة طقوس غير فرضية، ودروس تختلف من بيت إلى بيت، وحكايات وقصص تدور في وقت الصلاة الذي يتزاحم فيه المصلين، ابتداًء من دخول المسجد والجلوس لسماع الخطبة والصلاة ومن ثم المغادرة. لمعايشة هذه التجربة سألنا بعض أبطالها عن أكثر ما يحبونه أو يتذمرون منه خلال هذه الفترة، لنسجل العديد من التجارب الإيجابية والقيم النبيلة والتذمرات الطريفة والمشاعر الحميمة والسلوكيات السلبية، التي إن دلت على شيء فعلى أهمية هذا الطقس الأسبوعي ومدى انعكاسه على حياة أفراد المجتمع.
احمد عبد الله موظف في أحد الدوائر المحلية يقول: إن جمالية هذا اليوم تنبع من الروحانية المنتشرة فيه، فالذهاب لصلاة الجمعة هو عرس أسبوعي يتحضر له الشخص في يوم إجازة أت بعد ست أيام من التعب، فيأخذ قسطه الوافي من الراحة ويستيقظ ليجد كل أحبائه حوله، فيتجه بأريحية لتهيأت نفسه نفسيا لهذا الأمر بقراءة القرآن الكريم ومن ثم التهيئة الجسدية له.
تواصل وتربية
ويؤكد احمد أن صلاة الجمعة فرصة عظيمة للتواصل مع المعارف والأقارب والجيران والأصدقاء، الذين تحول ظروف حياتنا وحياتهم حيث العمل والمشغوليات العامة من لقائهم والسلام عليهم، ما يبقي خيط الود موصولا رغم بساطة وصغر حجم لقاء الجمعة.
ويبين خالد علي الطالب الجامعي أن والده قد دأب على اصطحابهم لأداة صلاة الجمعة منذ طفولتهم، وقد انعكس هذا الأمر عليه من الناحية الاجتماعية والنفسية بأن دعم ثقته بنفسه عبر مخالطته مختلف الأعمار والجنسيات والشخصيات، ففي الصلاة تتساوى الرؤوس وتجالس الغني والفقير، الغاضب والحليم، الثرثار والهادئ، فتتعلم الدروس وتتخذ طرق مختلفة لمعاملة كل شخص منهم. ويضيف خالد أن من الأشياء التي لا ينساها بعد صلاة الجمعة والتي يفتقدها كثيرا، هي تعليقات والده المتوفى على تصرفات جمهور الجمعة.
فقد كان يعتبر يوم الجمعة يوماً مخصصاً لبث القيم فينا وتحذيرنا من التعامل بالسلوكيات الخاطئة، فكانت تعليقاته تعزز التصرفات الإيجابية التي تمر أمامنا كأن يقوم أحدهم برفع قذارة أو زجاج من الأرض، أو يفسح احدهم الطريق للأكبر منه سناً، أو بالسلبية كأن يعلق احدهم على الآخر منتقدا بساطة ملبسه ورخص حذاءه.
سلب وإيجاب
ويشير خالد علي أنه ينوي أن يسلك درب والده مع أبنائه في المستقبل لذلك سيعمد على أخذهم لصلاة الجمعة وتكرار أسلوب والده في التربية غير المباشر منذ صغرهم، حيث شكل هذا الأمر دعامة أساسية له كونت ما هو عليه الآن من انضباط واحترام ومسؤولية اتجاه المجتمع.
ولا يتفق مؤيد عمر مع رؤية خالد في إحضار الأطفال لصلاة الجمعة، مؤكدا أن لهذا الطقس احترامه ووجود الأطفال لا يعزز هذا الأمر خاصة الأطفال غير المميزين الذين يملؤون المسجد صراخا أو ضحكا ما يشتت انتباه المصلين عن التفاعل مع خطبة الجمعة، أو عبر ركضهم في أرجاء المسجد وأمام المصلين بطريقة غير ملائمة، بل أنه قد واجه أمرًا من قبل حيث جلب احدهم ابنه البالغ من العمر ثلاث سنوات للمسجد إلا أن الطفل قام «بالتقيؤ» في قاعة الصلاة ما أربك جميع المحيطين به وشغلهم عن الصلاة.
ويرى راشد عبد الله شرطي أن تواجد الأطفال في صلاة الجمعة يحدد بتقدير الأب من حيث درجة تمييز ابنه، فهناك أطفال في الثانية يكونون عنوانا للهدوء والصمت، وبالجانب الآخر قد يكون عمر الطفل ثمانية سنوات إلا انه كثير الحركة والتعليق والمشاكسة، فيثير مع أقرانه الفوضى بقاعة الصلاة عبر أحاديثهم وضحكاتهم ومقالبهم التي تصل في بعضها لدرجة رمي المصلين بقطع الكلينكس والكور الصغيرة.
مواقف محرجة
ويتذكر راشد بابتسامة بعض المواقف الطريفة والمحرجة في ذات الوقت التي تحدث في صلاة الجمعة نتيجة الازدحام الشديد حيث خرج في نهاية الصلاة ليبحث عن حذائه فلم يجده رغم بحثه الطويل عنه، فلم يكن منه إلا أن قام بالرجوع إلى منزله حافي القدمين، وقد كانت التجربة صعبة بسب تزامن هذا الأمر مع حر الصيف الشديد.
ويسترجع خليفة محمد رجل أعمال ذكرياته عن صلاة الجمعة، ليتذكر قصة ضياعه في احد أيام الجمعة بعد مغادرته المسجد، حيث تبع والده بعد انتهائه من الصلاة وأخذ يمشي خلفه، لحين أن وصل إلى السيارة والتي اكتشف أنها ليست سيارة والده، بل إن الرجل الذي يتبعه في الخطى ليس في الأصل والده، فما كان من الرجل إلا أن أخذه وأرجعه لمنزله، في حين كان والده يبحث فزعا عنه لساعات مرعبة لم تنهها إلا عودة والده إلى البيت استعدادا لإبلاغ الشرطة، ليفاجأ به ويقوم بعدها بإعطائه درسا بالعصا لن ينساه طول حياته.
اهتمام وحب
ويؤكد خليفة محمد - رجل أعمال أن من الأشياء المحببة إلى نفسه يوم الجمعة، هي مشاعر الحب والاهتمام التي توليها زوجته له، حيث تقوم بنفسها بتحضير ملابسه وتبخيرها ومن ثم تطييبه، ومرافقته إلى باب المنزل وهي تقوم بالدعاء له، ومن ثم عودته ليجدها تنتظره بابتسامة وبسفرة غداء عامرة تحوي كل ما يحبه من الطعام.
أما يوسف سيف فيحرص كل جمعة على زيارة أرحامه خاصة كبار السن، ويعتبر هذا الأمر ضرورة وأمرا يدخل الفرح في قلوبهم، لذلك فهو يحدد شخص أو اثنين لزيارته قبل صلاة الجمعة، فمرةً يتجه إلى خالته وتارة إلى عمه ومرةً إلى جارة والدته العجوز، ويحرص خلال الزيارة على اصطحاب أبنائه وحمل الهدايا معه، ليتعلموا قيمة احترام الكبير وزيارة الأرحام .
ويشير يوسف أنه يتوجه لصلاة الجمعة ليلاقي كل إخوانه ووالده، ويتجهون بعدها لتناول وجبة الغذاء مع أسرهم في منزل والده، ليكون يوم الجمعة بحق صورة للتجمع العائلي الحافل بالمشاعر والود اللذين يغدقهما الوالِدان رغم كبر سنهما علينا وعلى أبنائنا مع أصوات ضحكات الأطفال وصياحهم.
رباب جبارة

