تغتالنا لحظات الحنان المبتغى بحب، وغفوة في أحضان أم وأب، أو صديق شغلته الحياة بشغفها، فضاع في مجرات البحث عن سكن السعادة وعائلة الود في ظل والد رؤوم، يظلل على أولاده بِذرَا التعايش الإنساني ومبدأ التواصل، وهم يحلمون بالوطن المشتهى لالتئام الأوقات.

تباغتك التحولات في التو والحال، فيصعب التمييز بين ما هو متعارف عليه في التعامل الإنساني مع الآخر، وبين ما تراه اعتقالا لعقل الفرد من وعيه المأمول، وانتزاعه من منظومة المجتمع، وبنية الإنسان وعاداته الأصيلة.

ارتبط التعارف مع التصالح بالمصالح، وضرورة البساط الأحمر الزهري المشترك لإعلان النتائج المعول عليها، وهي ورطة الفكر عند أحد الطرفين، وخذلان الحظ عند الآخر، فلا للنوايا الحسنة نصيب من التصادق، ولا منفذا للخوض مع الأصوات العازفة على أوتار التعارف الخلاق.

تتماهى السلوكيات في واقع الحياة الملتهب، عند خطوط الارتباط مع التقنيات العابثة والعابرة، التي اتخذت لنفسها منهجا اقتحامياً غزت به نخاع العظم، فتبع الفرد كل جديد من دون تفكير، ومن دون غربلة لما هو صالح وطالح، وتبلد الناضج بحكم عولمة الفكر، وطرح الصورة النمطية المهجنة على مرأى البصر، والمنطلق من الشباب أخذ يحلق نحو فضاء أبعد عن مدى النظر، وأخذ يلهث وراء المتعة الملوثة بالدم ورائحة التجاوز المكررة لبقاء الزيف الذي أتخم الأنوف.

حسدنا الطير.. لأن له في العلو سكنا، وله طفل ينتظر، وصوت عذب يشدو به بلا حدود، ولنا صوت عبثا مخنوق، وأجنحة كبلها الانتظار، وسكن مهجور.

بنظرات ملؤها الاستهجان والضجر نطالع مرئيات العصر، وقد اتسعت فجوات الفوضى، وفيها نتخبط بحثا عن فرص التلاقي، والتراضي، لكننا لا نرى إلا أشكالا من تغريب ومن تمادي، وبعد عن ملامح البيئة، وحضور غائب لواجب المساءلة، وتمزق عند عتبات الأبواب، ولا تكف المذايع عن الطرق على المسامع، البث الغنائي العابث، ومباشرات الشكاوى، وفضائح الغش، وضياع الأماني، وسوق يتسلل إلى ثنايا الجيوب، وطالب يعاني، وفقير يلوذ بالمعاني يبعثر السكون ثم ينحاز للتعاطي من إحسان القرآن الشافي.

صحف وأخبار وسنين العمر تطوى مثلها، ذلك إعصار جونو وخيبات رصده وقصور رده، وبعده تداعيات الحوار العربي والخلاف العربي والتطايح العربي والنزف العربي والنزق العربي والغفلة العربية والتبلد العربي، ومازلنا نبحث عن حضن كالأم نلتئم إليه، لحظة تبلد أكبر من نزوات العقل في ظل ظروف راهنة أسدت لنا الوسائل الإعلامية خدمة نقلها صدمة لا تؤثر في مرآنا البصري ولا تحرك دواخلنا إلا غصة، وينجلي أثرها في لحظة.

عائشة مصبح العاجل ـ الشارقة