لا ينكر أحد ما للعسل من قيمة غذائية وعالية واحتلاله مكانة عالية في الهرم الغذائي والعلاجي حتى كان كما وصفه القرآن الكريم: (فيه شفاء للناس)..
والعسل الجبلي ربما يكون قد اقترب أكثر من الوصف القرآني في بيوت النحل حيث يقول الله تعالى في سورة النحل: (وَأَوْحَىَ رَبّكَ إِلَىَ النّحْلِ أَنِ اتّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشّجَرِ وَمِمّا يَعْرِشُونَ * ثُمّ كُلِي مِن كُلّ الثّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنّاسِ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لّقَوْمٍ يَتَفَكّرُونَ). والعسل بلا شك من السلع الثمينة صحياً وله قيمة معنوية خاصة عند أهالي المناطق الجبلية في إمارة الفجيرة وضواحيها إذ يعتبر موسم قص العسل موسم ممارسة هواية محببة عند العسالين ويتنافسون في الحصول عليه. وجاء قرار العسالين في رفع أسعار العسل الطبيعي محل إنكار واستغراب للبعض بحجة اعتبار العسل الطبيعي سلعة ربانية ليس للإنسان دور في تكونها وأن وسائل جمع العسل لم تتغير بالإضافة إلى أن الطلب علية في تزايد مستمر وخاصة في الأمور العلاجية. ولكن وبعد أن استطلعنا آراء المواطنين الذين يقومون على هذه الحرفة، مبينين دوافعهم حول رفع الأسعار وجاءت أغلب الآراء متفقه حول صعوبة الحصول على العسل الطبيعي في ظل الظروف الجوية والبيئية للمنطقة التي تسببت في اختفاء الكثير من مواطن العسل الطبيعي.
هدم مساكن النحل ... مريم اليماحي الخبيرة في هذه المهنة التي اكتسبتها من آبائها وتمارسها منذ أكثر من خمسين عاما قالت إن ارتفاع سعر العسل الطبيعي جاء متزامنا مع ندرته، حيث صرحت بأن ما جمعته في السنوات القليلة الماضية لا يقارن بكميات التي كانت تجمع في الماضي منذ أكثر من خمس سنوات، وذلك على حد قولها بسبب هدم وتكسير مواطن العسل في الجبال بفعل الكسارات وشق الطرق وما تخلفه هذه الأعمال من تلوث وأغبرة كثيفة تقتل أعداد كبيرة من النحل وتدفعها إلى هجرة مواطنها الأصلية، كما أن لقلة الأمطار وجفاف أغلب موارد المياه الطبيعية في المناطق الشرقية عامل آخر في هجرة النحل. وفي السياق ذاته ذكرت مريم بأن للعسل موسمين رئيسيين للحصاد موسم شتوي ويتكون فيه عسل البرم وموسم صيفي يتكون فية عسل اليبياب. ويعتبر النوع الثالث من العسل عسل العشب وهو من أفضل أنواع العسل صحيا وأغلاها سعرا إلا أنه أندر أنواع العسل حيث يتكون فقط بعد موسم الأمطار ويرعى من العشب الأخضر وهذا النوع الأخير يفتقد إلية العسالين بسبب شح الأمطار على الدولة.
عسل المناطق الشرقية
و يجد محمد القايدي بأن العسل نعمة وهبها الله لساكني المناطق الجبلية وخاصة عسل المناطق الشرقية فهو من أفضل وأصفى أنواع العسل في الإمارات والمتاجرة بالعسل مباح مثله مثل أي سلعة يعدل التاجر سعرها حسب الظروف، فمع تقدم العمران في المناطق الجبلية وبناء المصانع والشعبيات السكنية الجديدة يرحل نحل العسل من الأماكن السفلى والقريبة إلى أماكن أبعد وأعلى في قمم الجبال تضمن له مكان هادئ للرعي من الأعشاب الطبيعية.
وهذا في حد ذاته يستنفذ منه طاقة ومجهود أكبر في ظل غلاء بترول السيارات وحرارة الصيف الشديد، بالإضافة إلى أن أغلب تجار العسل الوافدين والمالكين لمحلات بيع العسل يقوموا بالحجز المسبق لأغلب الكمية ويشترونها بسعر قدره 500 درهم لبيعها بعد ذلك بسعر يبلغ قدره 800 إلى ألف درهم.
مشيرا إلى أن هذه الأرباح لابد أن تكون من حق المواطن الذي تعب في تحصيلها وتصفيتها بعناية ويصبح العسال هو حلقة الوصل بين العسل ومستهلك العسل.
مخاطر كبيرة
وأشار علي سالم بأن الحرفة أصبحت تحيط بها مخاطر كبيرة من السقوط أو التدهور من أعالي الجبل أو الإصابة بضربة شمس في موسم الصيف، وخصوصا بأن أغلب العسالين من كبار السن وفي أغلب الأحيان تكون هذه الحرفة هي مصدر رزقهم، فما ضير أن تكون هذه الزيادة في سعر العسل علاوة خطر للمشقة وعناء الحصول على العسل.
بالإضافة إلى أنها غير مقتصرة على المواطنين بل أدخل البعض العمالة الوافدة في الموضوع لضمان الحصول على أكبر كمية من العسل. ولكنه أصبح عامل من عوامل اندثار العسل وقلته حيث يتعامل هؤلاء الأفراد مع العسل بدون خبرة مما أدى إلى قتل أعداد كبيرة من ملكات النحل وهي العنصر الأساسي لتجدد الخلية فضلا عن عدم معرفتهم بأصول تسكين العسل والمحافظة عليه.
بالإضافة إلى اقتلاع أشجار السدر والسمر والتي تعتبر من المواطن الرئيسية للنحل خاصة في فصل الصيف ما جعل العسل سلعة نادرة، ناهيك بأن أي سلعة تقل في السوق ويزيد الطلب عليها يقابلها ارتفاع في السعر.
المطالبة بمحميات للعسل الطبيعي
وعلى الرغم من وجود محمية للعسل في دبا الفجيرة والتي تم إنشاؤها بناءً على توجيهات من صاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي حاكم إمارة الفجيرة إلا أن الأهالي يطالبون بزيادة عدد هذه المحميات وتوزيعها في مناطق مختلفة من الإمارة أو توسيع رقعتها ليغطي إنتاجها تزايد الطلب على العسل الطبيعي . وذلك لأن ما ينتج من البيوت النحل المستزرعة في الجبال لا يعطي النتيجة نفسها من حيث الجودة والطعم.
يذكر أن الكثير من المهتمين بتربية النحل وجني العسل أخذت تظهر منهم الشكوى المستمرة من تراجع كميات الإنتاج ما يهدد تلك الثروة الوطنية الاستراتيجية التي تؤمن غذاء ذا قيمة غذائية ومادية عالية يحتل مكانة بارزة على مائدة الأسرة المحلية.
ولا يزالون يؤكدون على ما يطلق عليه بالتراجع الحاد في كميات إنتاج العسل المحلي الذي يحظى بجودة عالية وقيمة غذائية كبيرة وإقبال واسع من الأهالي والمستهلكين لاسيما من المواطنين والباحثين عن الاستشفاء من عدد من الأمراض المختلفة.
مطالبين المؤسسات الحكومية المختصة في الدولة بالتحرك بالتعاون والدعم من قبل القطاع الخاص المحلي لإنقاذ تلك الثروة الوطنية الطبيعية الغالية قبل فوات الأوان وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، داعين إلى الإسراع في إجراء البحوث والدراسات العلمية المختصة لتحديد أسباب وعوامل انحسار خلايا النحل المحلي الذي يكثر ويترعرع في المناطق والمرتفعات الجبلية في الدولة عبر فريق علمي متخصص يدرس ملف القضية التي تقلق القائمين على هذا القطاع الحيوي والمراقبين ميدانيا وبصورة مباشرة.
ولفت مراقبون مختصون في البيئة إلى أن ارتفاع نسبة التلوث والغبار ساهم في تراجع إنتاج النحل المحلي من العسل الجبلي والبلدي، فيما شددت مصادر مختصة في وزارة البيئة والمياه على القيمة العالية غذائيا وماديا وطبيعيا للعسل المحلي والخلايا الجبلية.
حيث لا بد من النظر إلى القضية باعتبارها ثروة وطنية استراتيجية لا تقدر بثمن مهددة بالضياع والمزيد من التدهور والمزيد من التراجع خلال السنوات المقبلة إلى جانب أن العسل الجبلي يؤمِّن مصدر دخل جيد لشريحة اجتماعية من المواطنين العاملين في حقل جمع وتعقب الخلايا الجبلية ممن توارثوا تلك التقاليد والمهنة الأصيلة أبا عن جد.
ابتسام الشاعر


