يتعرض شبابنا اليوم إلى جملة من التحديات التي تتداخل فيها العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والظروف التعليمية والتربوية، وإذا لم تستعد المجتمعات بخطط ورؤى واضحة ورشيدة فإن دور الشباب في قيادة دفة التطور ستكون اقل تأثيرا وأكثر تعقيدا وتحديا عما كان في السابق.

وفي هذا التحقيق محاولة لتسليط الضوء على التغيرات المعاصرة في شتى المجالات وأثرها في صياغة شخصية الشباب وكيفية المحافظة على الأجيال الفتية من الغرق، فالتغير الذي يلف جوانب الحياة والتطور السريع في تقنيات العصر يفرض علينا .

كما يرى الدكتور في التربية سعيد عبد الله حارب إعداد جيل قادر على مواجهة هذا التغير والتعامل مع العصر بروح من التميز الذاتي المنطلق من مكوناتنا الثقافية وإسهامنا الحضاري الإنساني واستيعابنا لمعطيات العصر ..

ويستعرض الدكتور محمد محمود الشيخ التحديات التي تواجه الشباب وأهمها المشكلات النفسية التي تتمثل في عدم القدرة على التعبير عن الآراء والحاجة إلى التنفيس عن الغريزة الجنسية والتأثر بكلام الآخرين والشعور بالدونية والخوف من مواجهة المستقبل أما المشكلات على الصعيد المهني فتتركز .

كما يراها في عدم توفر فرص العمل سواء للذين أكملوا او لم يكملوا دراستهم مما يؤدي إلى افتقاد تقدير الذات والشعور بالفشل والعوز وعدم اتقان الشباب للمهارات المهنية اللازمة للعمل او العجز عن تحمل المسئولية بسبب التربية السلبية وصولا الى فقدان الشباب لتقديرهم لكفاءتهم واحترامهم لتلك الكفاءات نتيجة لوضعهم في أماكن لاتمت بصلة لتخصصاتهم وعدم توظيف طاقات الشباب بصورة سليمة.

أما على الصعيد القيمي فيرى أن المشكلات في هذا الإطار تتمثل في تضارب المحكات والمعايير المحددة لما هو صواب وما هو خطا وطغيان الماديات الذي اضعف القيم الأمر الذي أدى إلى تأكيد القيم الاستهلاكية والمادية على حساب القيم الإنسانية والصراع بين ما هو تقليدي وما هو معاصر والسرعة في نسف القيم وسرعة التغير الحضاري مما اسهم في صعوبة تكيف الشباب.

اما المشكلات على الصعيد الدراسي فتتمحور من خلال ترك الدراسة وهي مشكلة تدفع الشباب إلى التسكع واقتراف الجرائم وممارسة السلوكيات المنحرفة الأمر الذي يؤدي إلى غياب الطموح لديه وتدمير مستقبله كما ان المعارف التي يتلقاها الطالب في المدرسة وطرائق التدريس والتقييم البالية أحادية الاتجاه ونمطية المناهج الدراسية وهبوط مستوى التعليم المهني و الخطأ والشك في قيمة الدراسة أو أن الشهادة ليست مهمة في هذا الزمن لا تسهم في إعداده المهني المستقبلي . .

وعن مشكلة وقت الفراغ يقول الشيخ إن وقت الفراغ أصبح نشاطا استهلاكيا يتمثل في الاسترخاء او النوم الطويل مما يؤدي إلى الترهل الجسمي والنفسي والهروب من الواقع.

مشكلات اجتماعية

وحول المشكلات الاجتماعية التي تواجه الشباب يعتقد إن أهمها التمرد على المجتمع وعلى الآخرين وممارسة الوالدين للدكتاتورية في معاملة الأبناء وممارسة المدرسة لأساليب يشعر الطالب فيها بالتجاوز على شخصيته وطموحاته الدراسية أول ا ينسجم مع الواقع المدرسي .

ومن المشكلات الاجتماعية انحراف الأحداث نتيجة غياب الأب وارتفاع نسب الطلاق وانعدام القدوة إضافة الى ان الزواج أصبح مشكلة لعدم القدرة المادية للوفاء بالتزاماته الباهظة ومشكلة الانتماء.

إضافة إلى التأثر بالأفكار المستحدثة والجديدة مما يجعلهم عرضة للوقوع تحت التأثيرات الفكرية والاجتماعية الموجهة نحوهم بعناية ودراية كما ان العلاقات بين الأفراد أصبحت بعيدة عن التعاون والمودة والتفاعل البناء إضافة إلى إهمال اللغة مما يؤثر في الانتماء والهوية وعدم القدرة على التعبير وركاكة الفكر.

ويقترح لحماية الشباب من التحديات والمشكلات إعداد مجموعة من البرامج الهادفة التي تعزز توكيد الذات وحب العمل لدى الشباب وتعديل المناهج الدراسية وطرق التدريس وسلوك المعلمين بصورة تجعل من الطالب إنسانا مفكرا وحيويا يسعى لإتقان التعلم لا مجرد متلق للمعلومات والسعي إلى تنوع وزيادة الفرص المتاحة للشباب وإعطاء حرية التعبير للشباب بل حثهم على ذلك لان من شان ذلك التخفيف من توترهم النفسي ومراعاة المساواة وتكافؤ الفرص .

وإضافة برامج تنمية للجمعيات والأندية دور هام في توعية الشباب وتثقيفهم وصقل مواهبهم ورعايتها و إضافة برامج تنمية الأخلاق والصفات الإنسانية العالية في المناهج الدراسية والاهتمام بمشاريع الشباب والحوافز التي تدعم الشباب.

الدكتور محمد عبد اللطيف خليفة من جامعة الإمارات يرى أن على الحكومات المساهمة في تحسين مساهمة الشباب في سوق العمل في ظل العولمة وتوفير فرص التعليم والتدريب الحديثة لاكتساب المهارات وتنمية القدرات و إجراء دراسات مستفيضة عن سوق العمل التي تركز على الحاضر والمستقبل وتوجيه سياسات ومناهج التعليم العام والعالي لتتوافق على متطلبات سوق العمل ، معللا ذلك بان توافق مخرجات أنظمة التعليم مع مواصفات أنظمة التوظيف سيكون له الاثر الكبير في تحسين نوعية وجودة سوق العمل وتوفير فرص أفضل للشباب

مهارة الإنصات

ولكن كيف يمكن لأولياء الأمور أن يتجاوزوا الفجوة الحاصلة بينهم وبين فئة الشباب؟

يشدد الدكتور عبد الرحمن ذاكر طبيب واستشاري علم النفس العلاجي على ضرورة تعليم الأجيال ما ينبغي عليهم لخوض حياتهم بالمفردات والأبجديات التي يفهمونها والعمل على تنمية مهارة الإنصات وبخاصة عند التعامل مع أولئك الذين يبحثون عمن يستمعون إليهم وينصتون لهمس مشاعرهم ونبض أفكارهم فهو يرى ان الجيل الحالي هو المبادر في التعبير وطرح ما لديه من مشاكل .

ولكن افتقار الحياة بماديتها للأشخاص المنصتين هو الذي يجعل من اكتشاف تصورات وقيم هذا الجيل أمر في غاية الصعوبة لدى الكثير من الأسر.

وقال إن الصراحة والمكاشفة أمر في غاية الأهمية بين الآباء والأمهات من جهة والأبناء والبنات من جهة أخرى ومن نافلة القول أن غياب هذا العامل في حياة الأسرة أصبح سببا رئيسا في اغتراب كلا الطرفين عن بعضهما البعض مما دفع بالجيل الحالي إلى البحث عن البديل العاطفي خارج حدود الأسرة الأمر الذي يغيب العقل في محيط العاطفة الجاهلة .

ثقافة الاستهلاك

ويشدد عبد السلام درويش على خطر عولمة الثقافة على فكر الشباب حيث تشيع العولمة ثقافة الاستهلاك وثقافة الإباحية وغيرها من الأمور التي ترفضها الشرائع السماوية ويرى انه لزاما علينا الاعتناء بالتربية الإيمانية التي تقلص دورها كثيرا .

مؤكدا أن على الأسرة المحافظة على أبنائها من خلال مراقبة حالات الانحراف والتغير لا أن تمارس مهمة الحماية فحسب ' لافتا الى دور المدرسة الذي غاب في الوقت الراهن إضافة إلى السعي إلى إيجاد برامج تدريب وإعداد فرص عمل تحتضن الشباب وتؤمن لهم أسباب تحصيل الرزق .

وتطرق درويش في ورقة عمل عن المتغيرات المعاصرة أثرها على الشباب على اثر القنوات الفضائية على الشباب والانترنت والديون والجنس وأثره وأزمة التعليم والاهتمام بالتعليم النظري والأمية وعدم الإقبال على الدراسات الشرعية إلى جانب جملة من المواضيع في الإطار نفسه.

ويستعرض عيسى السري من جمعية المعلمين في الشارقة جملة من المقترحات لوقاية الشباب من الوقوع في المشكلات من خلال ورقة عمل قدمها في مؤتمر جمعية ام المؤمنين النسائية في عجمان بعنوان الشباب في مواجهة عالم اكثر تحديا منها:

تعزيز القيم الأخلاقية داخل الأسرة والبيئات الاخرى التي يعيش فيها الشباب وتنفيذ برامج خاصة تستهدف هذه الشريحة بهدف زيادة الوعي لديهم وضرورة قيام المؤسسات الدينية بدورها في التصدي لمشاكل كالإدمان والتدخين والاهتمام بالأنشطة الرياضية والثقافية والاجتماعية لاشراك الشباب فيها والتدريب على تحمل المسؤولية واتخاذ القرارات الصحيحة وتذليل الصعوبات التي قد تواجه الشباب في حياتهم العملية من خلال توفير فرص العمل وسبل العيش الكريم لهم.

مؤسسات التنشئة مطالبة باستيعاب التحولات الاجتماعية

أكد الدكتور محمد إبراهيم منصور الأستاذ المشارك في علم الاجتماع أن التحول الاجتماعي والاقتصادي السريع في مجتمع الإمارات منذ عقد السبعينات من القرن الماضي تسبب بانتشار جرائم وسلوكيات شملت جميع الفئات العمرية للسكان وشرائح المجتمع.

وقال: تواجه تربية النشء منعطفاً خطيراً يتمحور حول قدرة مؤسسات التنشئة الاجتماعية قاطبة على توجيه سلوك الفرد نحو بناء المواطن الصالح بما يضمن توازناً كاملاً بين التحولات الاجتماعية والاقتصادية ووعي الفرد بالظروف المحيطة بالتغيير ومتطلباته من القيم والمواقف والاتجاهات والتحولات التي حدثت وأضعفت نظام العائلة وأفرزت مفاهيم جديدة للعلاقات الاجتماعية وخلفت أزمات وصراعات نفسية واجتماعية تمخض عنها سلوك لا ينم عن مسؤولية لكثير من الأفراد مما أصبحت تشكل تهديدا للأمن العام في المجتمع كونها تفتقر الى الضبط النفسي والاجتماعي مما يؤكده الأعداد الكبيرة من الشباب الخارجين عن القانون.

وقال انه في مجتمع الإمارات تتعزز باستمرار قيم العمل والحياة والرفاهية والكل يسعى جاهدا لتحقيقها خاصة الشباب والبعض يواجه صعوبة في تحقيقها فيواجهون تحديات تعجز أسرهم عن تزويدهم بالقيم والخبرات اللازمة لمواجهة تحديات الحياة .

نورا الأمير