تفوح من بين جدرانه رائحة الماضي فترجع بك مئة وستين سنة إلى الوراء، ولك أن تتخيل الحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي كان يعيشها الناس قبل ظهور النفط والكهرباء بوقت طويل والتي بدت واضحة من طريقة العمارة التي بني بها البيت والمواد المستخدمة.
إنه متحف بيت النابودة التابع لإدارة المتاحف والآثار في الشارقة والواقع في منطقة التراث والذي يعد تحفة فنية ومعمارية تصور مدى عظمة العمارة التقليدية الخليجية والعربية المتأقلمة مع الظروف المناخية والموارد الطبيعية والمتطلبات الاجتماعية. عبد الرحمن علي الحمادي أمين متحف بيت النابودة اصطحبنا في جولة داخل هذا البيت وشرح لنا بعضاً من أسرار العمارة التي تميز بها عن غيره من البيوت في الحقبة نفسها... يقول الحمادي إن بيت النابودة يعد من أكثر الأماكن جذباً للزوار، فهو يجتذب أعداداً كبيرة سنوياً وبلغ عددهم خلال النصف الأول من العام الجاري 8990 زائراً أغلبهم من الأفواج السياحية يليهم الزوار الوافدون العرب. ويضيف الحمادي: إن تسمية البيت جاءت على اسم صاحبه الأصلي وهو عبيد بن عيسى بن علي بن ناصر الشامسي أحد مواطني الشارقة البارزين ومن المحتمل أنه قد تم اشتقاق كلمة النابودة من كلمة محلية تعود إلى طريقة مشيته.
وقد كان عبيد تاجراً معروفاً يشتغل في تجارة اللؤلؤ في منطقة الخليج ووسع دائرة عمله التسويقي وفتح فروعاً في الهند وباريس. ونظراً لتميز وموقع البيت فقد أصبح ملتقى البحار ورواد البحر وصائدي اللؤلؤ حيث يجتمع هؤلاء لمتابعة الأعمال والتحاور والوقوف على كل التطورات في المنطقة. وكان متزوجاً من ثلاث نساء هن مريم وحليمة وفاطمة ولديه 10 أولاد وسكن أحفاده من بعده في البيت نفسه وبلغ عددهم 41 حفيداً.
مساحة البيت
ويذكر أمين المتحف أن بيت النابودة يعتبر واحداً من أكبر الأبنية في عصره حيث تم بناؤه على مساحة تبلغ 1280 متراً بما في ذلك 510 أمتار مربعة مساحة فناء البيت كما يتمتع بمعالم متعددة فريدة من نوعها من حيث التصميم والبناء.
وعن تاريخ البدء في بنائه يقول الحمادي إنه كان في عام 1845 وبتكلفة تبلغ 3 آلاف روبية هندية واستغرق بناؤه 18 شهراً وتم إنجازه بالاستعانة بفنيي بناء مهرة من الهند وخضع البيت إلى ثلاث مراحل من التوسعة كما تشير إليه الأعمدة التي أصبحت داخل الجدران وذلك لكي يستوعب العدد المتزايد من الأولاد. وعاشت ذريته في هذا البيت حتى أوائل السبعينيات وكان البيت بحاجة إلى الترميم حتى تم إحياؤه مجدداً في 25 مايو 1990 وفتح أبوابه أمام الجمهور في 14 نوفمبر 1995.
الوصف الداخلي
عند دخولك البيت يستوقفك تاريخ منقوش على العتبة العلوية للباب الرئيسي هو 1332هـ وعبارة أعلى التاريخ وهي: (بسم الله الرحمن الرحيم ما شاء الله كان). ويذكر الحمادي أن المبنى مكون من طابقين ويتميز بأن طريقة بنائه متكيفة مع الظروف المناخية والموارد الطبيعية والحاجات الاجتماعية لخصوصية الحياة والأمن.
ويحتوي البيت على ثلاثة أجزاء: المبنى الرئيسي وغرف المعيشة وملحق المطبخ والمجلس المتاخم ويوجد في البيت ثلاثة مداخل أحدها الباب الرئيسي ومدخل خاص بالنساء والخدم في جانب البيت وباب ثالث رئيسي مفتوح من المطبخ للدخول عبر الزقاق إلى المجلس حيث يسهل هذا مرور أغراض الضيافة بين المنطقتين عند التقاء أو اجتماع رجال البيت بضيوفهم من الرجال في الولائم. كما توجد ثلاثة أدراج حلزونية وثلاث غرف في الطابق العلوي.
ويتكون الطابق الأرضي من 11 غرفة بما في ذلك جميع غرف النوم والمطبخ بساحته والبئر وحمام (الأدب) يعلو درج صغير وقد تم اكتشاف مرحاض ثان في الطابق العلوي أثناء الترميم مما يعتبر أمراً فريداً في ذلك العصر.
مجلس النابودة
فأما المجلس فهو مبنى منفصل متاخم للبيت حيث كان يعتبر مكاناً شعبياً ومعروفاً وقد نمت تجارة اللؤلؤ الخاصة بعبيد الشامسي في هذا المكان وهذا بخلاف الكثير من البيوت في ذلك العصر المزودة بغرفة تكون منفصلة ولكن داخل البيت حيث تستخدم كمجلس يلتقي فيه رجال العائلة مع ضيوفهم من الرجال.
وحدثنا الحمادي أن هناك معلماً بارزاً آخر في المجلس لم يشاهد في مكان آخر بالمنطقة وهو ربطه بجسر يصله بالطابق الأول للبيت الرئيسي من جانب ومدرسة الإصلاح من الجانب الآخر وربما كان هذا طريقاً مختصراً للمدرسة من أجل الأولاد أو أحد الاحتياطات الأمنية على الأرجح.
السقف
وأما السقف فيذكر أمين المتحف بأنه مصنوع من عود الجندل وجذوع النخل والحصير وحبل القنب، وكانت تجلب قضبان الشندل أو المنغروف من زنجبار على متن مراكب الدهو عندما كانت تتجه طرق التجارة في اتجاه شرقي. وكانت تستخدم القضبان الخشبية في تعزيز كل من الأجزاء الداخلية للسقف والعوارض المكشوفة عبر السقف، ويبلغ طول عارضة خشب الشندل 13 قدماً 96. 3 أمتار مما أدى إلى حصر عرض الغرف بـ 35. 3 أمتار.
وكانت تجلب أخشاب الساج للأبواب والقوائم والأعمدة المساندة من الهند بينما كانت تصنع وتنحت براويز الأبواب والنوافذ محلياً، أما الأحجار التي بنيت منها الجدران فهي أحجار مرجانية وبحرية وكانت تجمع من شواطئ الشارقة وتنقل على ظهور الدواب إلى موقع البناء وتوضع في صفوف ملتصقة ببعضها بعضاً بملاط يسمى الجبس لتشكيل جدران البيت ويتكون الجبس عن طريق تسخين الحجر المرجاني على الحطب وتكسره إلى أجزاء ثم يمزج الكسر بالماء لإنتاج مزيج فاتح اللون.
فالمظهر الخارجي الباهت يساعد على عكس الحرارة والاحتفاظ بالجو المعتدل داخل الغرف. أما الأبواب فهي متينة وثقيلة ومصنوعة من الساج وهي منحوتة بأشكال نباتية وهندسية متنوعة وعدد الأبواب يبلغ 38 باباً، وهي توصد من الخلف بقضيب خشبي حيث كانت تعمل هذه القضبان بشكل أفقي كمزلاج ويمكن فتحها وغلقها من الخارج بمفتاح.
والباب الرئيسي لا يقود إلى البيت مباشرة بل إلى ردهة داخلية التي تنعطف حول زاوية متجهة إلى باب آخر ثم يؤدي هذا الباب إلى الفناء الرئيسي لكي لا يكشف من هم في داخل البيت. أما النوافذ فقد كانت النوافذ الداخلية مدعمة بقضبان لمزيد من الأمن والخصوصية لنساء البيت وكانت تعمل الأحجار أو الأعمال الخشبية المزخرفة المنحوتة بمثابة فتحات تتسم بتصميمات متماثلة مع قناطر مدببة وتصميمات هندسية حادة أو نماذج مزخرفة منحوتة ومنحنيات روعة في الجمال.
وأما الأدراج الثلاثة فهي منعزلة داخلية لا تأخذ حيزاً كبيراً من المساحة لأنها ملتفة حول عمود محوري في ثلاثة مواقع بالبيت تؤدي إلى الطابق العلوي. وعن الغرف يشرح أمين المتحف فيقول: تعرض الغرف نمط حياة نموذجياً وبسيطاً ومرتباً وعملياً يعبر عن حقبة زمنية للتكيف مع متطلبات الخصوصية والأمن والحاجة إلى التهوية والهواء المنعش من دون الاستعانة برفاهية الأجهزة الكهربائية.
ولا يوجد غرف معيشة مشتركة نظراً لعدم الحاجة إليها حيث كانت تتناول العائلة الطعام بالخارج في الردهة أو يقدم الشاي والقهوة في غرف نومهم حسب حالة الطقس. وتحوي الغرف الرئيسية سريراً مرتفعاً مزوداً بأربع دعائم وملحقة بغرفة أصغر مجاورة تستخدم لتحضير المشروبات كما تعمل كغرفة اغتسال إلا أن الغرفتين قد ظلتا منفصلتين تماماً.
في هذه الغرف الرئيسية يتم الجلوس على وسائد موضوعة على الحصير المفروش على الأرض وهناك الصناديق الخشبية والمعدنية لأغراض التخزين علاوة على الجرار والأطباق وأغراض الحياة اليومية الأخرى مثل مستحضرات التجميل الموضوعة جانباً بالكواة الداخلية. يوضع الطعام على الرف الخشبي المعلق في المطبخ الذي يمكن إنزاله أو رفعه عند الحاجة للحفاظ على الطعام من الحشرات.
يحفظ الحليب في كيس من جلد الماعز وأطباق نحاسية كبيرة وجميلة وسلطانيات مطرقة تستخدم لإعداد وتقديم الطعام، تخزن الأخشاب والفحم والقمح والأرز والمستلزمات اليومية الأخرى في غرفة منفصلة بالقرب من المطبخ تسمى البخار وهي بمثابة (بيت مونة) لأن صاحب البيت كان تاجراً ويترك أهله فترات طويلة وكي لا يحتاجوا أحداً في غيابه.
وأخيراً نجد البئر الواقعة داخل البيت (الخريجة) والتي توفر المياه المالحة لأعمال أهل البيت بينما تأتي المياه العذبة للاغتسال والشرب على ظهور الدواب من منطقة الفلج التي تبعد 8 كيلو مترات.
زاهر العلي

