حين تذكر أساسيات العيش تتبادر إلى الأذهان عدة أمور منها الغذاء والدواء، والثاني لا يقل أهمية عن الأول للإنسان الذي يمكن أن يتعرض للمرض في أي وقت من أوقات حياته، ولكن هل يمكن أن ينقلب الدواء على متعاطيه فيصبح مصدر خطر ومسبباً للمرض بدل أن يكون علاجا وشفاء للإنسان؟

هذا الأمر واقع الحصول بدليل أن إحصائيات عديدة من منظمة الصحة العالمية صارت تشير إلى تلك المخاطر منبهه الى الزيادة الكبيرة في الاستهلاك الدوائي والمضاعفات الناجمة عن استخدام الأدوية حتى في علاج الأمراض البسيطة حيث ثبت أن 25 - 35% من الأمراض التي تصيب الإنسان تنتج عن مضاعفات جانبية للأدوية الكيميائية. وهذا الخطر يمكن أن يزداد بشكل كبير في حال تناول الدواء بدون وصفة طبية، فكيف يمكن تنظيم العلاقة بين الصيدلي والمريض؟ وما هي الأدوية التي يمكن فيها تجاهل الوصفة الطبية ؟ وكيف نتعامل مع الأدوية التي تصف على أرفف مركز التسوق والسوبر ماركت؟

يرى كثير من الناس أن اللجوء إلى الصيدلية أمر سهل للحصول على العلاج المناسب فسلطان الشامسي موظف قال: «بصراحة أنا لا أحب مراجعة الأطباء والمستشفيات، ووقتي لا يسمح لي بانتظار الطبيب، لذا حين اشعر بوعكة صحية وغالبا ما تكون نزلة برد أذهب الى اقرب صيدلية لأحصل على الدواء المناسب، إضافة إلى بعض الفيتامينات التي أشتريها من الصيدلية لأننا نعمل ساعات طويلة ونحتاج إليها لذا لم أواجه مشكلة في موضوع الدواء».

أم سالم ربة بيت تقول: «أنا أم ولدي خمسة أطفال أصغرهم عمره سنة وقد عرفت من التجربة ما ينفع أطفالي في حالات المرض المختلفة وبدلا من أذهب إلى الطبيب ويلتقط طفلي فيروسات أخرى أشتري دواءه من الصيدلية، وهكذا أكون قد وفرت على نفسي عناء الانتظار وتكاليف فحص الطبيب الذي يعطيني في الغالب الأدوية نفسها التي أعرفها لحالة طفلي».

الأعشاب كبديل

ولمنى حسين وجهة نظر مختلفة إذ قالت: «أنا ضد الأدوية الكيميائية ومن النادر أن استخدمها الا في حالات الضرورة القصوى لكني أتعاطى بعض الأعشاب الطبيعية مثل الزعتر والميرامية وأتناول الثوم بشكل يومي لأتجنب الاستعانة بأدوية قد تكون مضارها أكثر من منافعها».

بينما يحرص كثير من الناس على العودة إلى الطبيب في كل شيء فغادة علي ربة بيت قالت: «لي طفلة وحيدة وأنا لا يمكن أن أخاطر واشتري لها الدواء من الصيدلية بدون وصفة طبية فعلى الأقل اتصل بطبيب الأطفال وأشرح لها حالتها ليقول لي ما الذي أفعله، وقد قررت عدم تعاطي أي دواء بدون وصفة طبية بعد أن سمعت عن مخاطر الأدوية من صديقة تعمل صيدلانية في دبي».

ويوافقها الرأي زوجها سلام عيسى حيث يقول: تعاطي الدواء ليس أمرا سهلا فأنا أعرف صديقاً لي يحمل معه المسكنات بشكل دائم ويتناولها وكأنها حلوى ولا أدري كيف يمكن أن يعتدي على صحته بهذا الشكل، فنحن نتفق على أن الطبيب هو الأعرف بالدواء وبما يناسب المريض، وأنا كذلك لا يمكن أن أثق بالأدوية في محلات السوبر ماركت فلا أدري كيف يسمح بوجود تلك الأدوية التي تتعرض لدرجات حرارة مختلفة؟ لذا أجد أن الوصفة الطبية هي الطريقة الآمنة لتعاطي الدواء.

أدوية بدون وصفة

الدكتورة مها سليمان مسؤولة مراقبة الجودة في إحدى الشركات الصحية تقول: هناك أدوية كثيرة مصرح ببيعها في الصيدليات بدون وصفة طبية وهناك أدوية لها مضاعفات جانبية يمكن أن تؤذي من يتعاطاها بشكل عشوائي لذا نحن نقوم بتوعية طالبها وشرح مخاطرها، لكن بعض الناس يصرون على الحصول على الدواء حتى لو عرفوا مخاطره.

وهناك أشخاص يطلبون مضادات حيوية قوية لمجرد أن لديهم زكام بسيط وهو أمر غير صحي لكنهم يعتقدون انهم بذلك يسرعون شفاء الزكام، كذلك هناك أدوية لعلاج حب الشباب يمكن أن تؤثر على الكبد ولا يجوز أخذها إلا بعد فحص الكبد، وهناك أدوية قد تسبب الاجهاض ويأتي الناس للسؤال عنها ولا يقتنعون بإجاباتنا فيذهبون إلى صيدليات أخرى والمشكلة بصراحة أن كثير من الناس يسارعون الى الصيدليات للحصول على الدواء لأي وعكة صحية بسيطة.

منذر نعيم مساعد صيدلي يقول: «هناك أدوية لا يمكن تداولها إلا بوصفة طبية ومنها الأدوية المهدئة والأدوية التي تعمل على الجهاز العصبي المركزي، وهذه الأدوية تتطلب وصفة طبية من طبيب معتمد بتاريخ يوم الحصول عليها حيث يحتفظ بها الصيدلي في سجلات الصيدلية ويرفع بها تقريرا ويحاسب على الحبة الواحدة فهناك مقدار يحدده الطبيب ولا يسمح بتجاوزه، وحتى بعض المسكنات وأدوية حب الشباب إذ إن مثل هذه الأدوية تحتاج إلى فحص الكبد ولا تعطى لأكثر من شهر.

وكذلك أدوية الهرمونات وبناء الأجسام، وقد منع أحد أدوية المعدة لأن أصحاب بعض النفوس الضعيفة صاروا يستخدمونها لأغراض الإجهاض المبكر، ويسمح للصيدلي بإعطاء بعض أدوية الأمراض الموسمية مثل أدوية الرشح وكذلك الفيتامينات ومع ذلك يقوم الصيدلي بسؤال المريض بعض الأسئلة ليتأكد من عدم وجود آثار جانبية للعلاج، والتشخيص ليس من اختصاص الصيدلي فهذه مهمة الطبيب لذا ينبغي للمرض والصيادلة أن يدركوا هذه الحقيقة قبل كل شيء».

تجاوزات غير قانونية

من جانبه أشار الدكتور أمين حسين الأميري المدير التنفيذي للممارسات الطبية والتراخيص بوزارة الصحة أن هناك تجاوزات غير قانونية قد تحدث في بعض الصيدليات أو الصيادلة لذا وجدت أنظمة تمنع دخول أي دواء إلى دولة الإمارات إلا بوجود إذن من وزارة الصحة حيث يوجد مفتشون من الوزارة في المنافذ الحدودية البرية والبحرية والجوية بالتعاون مع الجمارك لتنفيذ القانون.

ويستثنى من هذا القانون الأدوية الشخصية التي تأتي مع المريض أو بالطرود البريد وتوجد ضوابط لتحديد كميتها حيث يشترط وجود وصفة طبية مع الدواء كما يجب أن لا تتجاوز مدة زمنية محدودة ولا تكون من الأدوية المراقبة إلا في حالات ملحة وبموافقة من وزارة الصحة.

كما قد تحدث مخالفات خارج نطاق وزارة الصحة حيث يمكن أن تدخل بعض الأدوية بطرق ملتوية لذا وضعت الوزارة برامج أخرى لمتابعة قانونية الأدوية بوجود مفتشين من الوزارة يقومون بزيارات دورية لكافة المنشآت الصيدلانية سواء أكانت صيدليات أو مخازن أدوية أو مصانع، لضمان تطبيق النظم واللوائح الصيدلانية وللتأكد من عدم وجود أدوية مقلدة أو غير قانونية.

لذا أغلقت الوزارة 12 منشأة صيدلانيا خلال الشهور الثلاثة الماضية كما تم تكثيف تلك الحملات التفتيشية في الوقت الحالي، ونحن نطالب الجمهور بالتعاون مع وزارة الصحة والهيئات الصحية المحلية للإبلاغ عن أية تجاوزات في هذا المجال.

وهناك بعض الأدوية التي تصرف بدون وصفة طبية وتسمى المستحضرات الصيدلانية ذات البيع العام وتشمل بعض المكملات الغذائية والمسكنات البسيطة وبعض المستحضرات الطبية التجميلية حيث يمكن للصيدلي أن يصرفها بدون وصفة طبية ويجب عليه في تلك الحالة أن يكون دقيقا في إعطاء الشرح الوافي عن الدواء وخصائصه وآثاره الجانبية وموانع استعماله ليكون طالب الدواء على علم كامل به، أما الأدوية المتوفرة في مراكز التسوق فهي لا تتجاوز المسكنات البسيطة وبعض الفيتامينات وهي أدوية يتم خزنها في أجواء تبريد اعتيادية ولا تحتاج إلى طرق خزن صعبة ومع ذلك توجد رقابة وإشراف من المفتشين لضمان عدم وجود أي ضرر في تلك الأدوية.

وأشار الأميري إلى أنه ليس من حق الصيدلاني أن يغير نوع دواء معين موجود في وصفة طبية إلا بعد الرجوع إلى الطبيب المختص الذي حرر الوصفة الطبية، كما توجد مجموعة من الأدوية المراقبة التي يتم خزنها في أماكن مغلقة ولا يتم صرفها بوصفة طبية عادية وإنما يجب توفر وصفة طبية صادرة من وزارة الصحة تحمل رقما متسلسلا للتأكد من صحتها وهذه الأدوية تشمل المواد المخدرة.

الأطباء يحذرون من تناول الدواء العشوائي

إذا كان الكثير من الناس يستسهلون الذهاب إلى الصيدليات وأخذ الدواء مباشرة منها دون العودة إلى الطبيب وسؤاله عن المرض وعن حاجة المريض لمثل هذا الدواء، فغن الأطباء جميعهم يؤكدون بشدة على عدم التساهل في هذه القضية لما تحمله من أخطار وتأثيرات جانبية لا تحمد عقباها أبداً. ويؤكد الأطباء على أنه حتى الفيتامينات تحمل الكثير من الضرر العضوي والبدني إذا أخذت من دون حاجة حقيقية لها.

وفي هذا الصدد يقول الدكتور صدر الدين القصير استشاري الجراحة العامة: «موقفي من استخدام الدواء بدون وصفة طبية ليس موقفا شخصيا وإنما يستند إلى الحقائق الطبية فليس هناك دواء بدون تأثيرات جانبية فحتى الفيتامينات لها مضار خطيرة حين تؤخذ بدون حساب، فالمدخن الذي يتناول فيتامين ء يمكن أن يزيد فرص إصابته بالسرطان.

وإذا بقي فيتامين خارج البراد لمدة ساعتين يكون غير مؤثر وتنتهي فائدته تماما، وحتى الاسبرين الذي نجده في كل مكان له مخاطر كبيرة إضافة إلى ان بعض الأدوية تنزل إلى السوق قبل أن يأخذ الوقت الكافي للدراسة فيتم سحبه بعد أن تكتشف مخاطره وتكون لتلك الأمور علاقة بالشركات المصنعة، لذا فإن موضوع الأدوية موضوع شائك ويجب على المريض أن يستشير طبيبه قبل استخدام أي دواء، خاصة ان التأمين الصحي الان يوفر لكثير من الناس فرصة مراجعة الطبيب بدون التأثير على وضعهم المالي).

قانون ينظم تداول الأدوية والممارسات الصيدلانية

أكد الدكتور أمين حسين الأميري المدير التنفيذي للممارسات الطبية والتراخيص بوزارة الصحة أن هناك قانوناً ينظم تداول الأدوية وقال: «يوجد قانون صادر من رئاسة الدولة ينظم الممارسات الصيدلانية للمنشآت الصيدلانية والصيادلة ومساعديهم.

حيث تعمل العديد من بنود القانون على تنظيم التعامل مع أخلاقيات المهنة وبما يتناسب مع الاستخدام الآمن للدواء وصرف الأدوية ضمن أسس علمية وبعد الرجوع إلى الطبيب المختص وهو الشخص المصرح له بتحرير الوصفة الدوائية».

وفي إطار الحرص على تنفيذ هذه القوانين الرادعة لضبط الاستهتار في التعامل مع المادة الدوائية وعدم التهاون في صرفها بشكل عشوائي أو استبدالها أكد الدكتور الأميري على الحزم بهذه المسألة وقال: «من هذا المنطلق فإن بنود مواد القانون تضع ضوابط للمهام والتوصيف الوظيفي للصيدلي وبناء عليه فليس من حق أي صيدلي صرف أي دواء مصنف ضمن الأدوية التي يشترط وجود وصفة طبية لصرفها.

حيث توجد أدوية لا تصرف إلا بوجود الوصفة الطبية مثل أدوية الأمراض المزمنة وأدوية الصرع، ومضادات الأمراض الفيروسية والمضادات الحيوية وتلك التي تحتوي مواد منشطة أو مواد شبه مخدرة، حيث تم تحديد تلك الأدوية استنادا إلى محتواها الكيميائي ومفعولها الدوائي».

دلال جويد