الحديث عن هموم الشباب ومشكلاتهم التي تؤرقهم وتأخذ حيزاً كبيراً من تفكيرهم لا بد أن يأخذ مكانه الحقيقي في سلم الأولويات الاجتماعية، وذلك أن الشباب يظلون بلا منازع المحرك الأساسي لكل عجلات المجتمع والمؤتمن الوحيد على مستقبل أي مجتمع ينشد النهضة والتميز...
إلا أن البعض من الشباب يكاد لا يرى النور أبداً في نهاية نفق مشكلاته الثقيلة وتستشف من حديثه الكثير من نبرة الانغلاق والانسحاب والهروب الاجتماعي..فهذا أحد الشباب يعبر عن مأساته بقوله: «لم أجد في المنزل من يهتم بي أو يستمع إلي.
بينما وجدت بين أصدقائي ما فقدته في المنزل، فوالدي لا يعود إلى المنزل إلا مع ساعات الصباح الأولى مخموراً، فيما تقضي والدتي غالبية وقتها في زيارات للأقارب والصديقات أو رحلات التسوق، فكيف تنتظر من شاب بظروف كهذه أن يكون قادراً على النجاح في مدرسته أو تقديم سلوكيات سوية كما يقولون.. عموماً أنا لا أفعل شيئاً خاطئاً..فأنا لا أشرب الخمر على الأقل!!».
بهذه الكلمات افتتح مصطفى حديثه لنا أثناء جلوسه في إحدى الحدائق مع عدد من أصدقائه الذين تحفظوا في البداية عن المشاركة في هذا الحديث، الأمر الذي تطلب جهداً لإقناعهم بأهمية الوقوف على وجهة نظرهم في ما يسمى بمشكلات المراهقة والانحراف لدى الشباب.
خندق عميق
وقال محمد حسين إن المشكلة من وجهة نظره ومن واقع تجربته الشخصية ترتبط بوجود خندق عميق بينه وبين والده بحيث لا يستطيعان التفاهم مع بعضهما، مؤكداً بأنه وفي كل مرة يدخل في حوار مع والده لشرح أو تبرير احد سلوكياته يشعر وكأن النقاش يجري بين شخصين فقدا قدرة السمع، حيث ينتهي الأمر بسيل من الشتائم يطلقها والده عليه .
وأشار إلى أنه يتمنى لو أن والده يملك أذناً صاغية له، لافتاً الى أنه يجد هذا الأمر متحققاً له بين أصدقائه الذين يستمعون إليه بعناية شديدة.
ويرى البعض من الشباب أن لب المشكلة يتمثل في ابتعاد الوالدين عن التفكير في مشكلات أبنائهم حيث يقول عبدالله خلفان: إن المشكلة من واقع تجربته تتمثل بالإهمال الكبير من الوالدين للاحتياجات النفسية والمعنوية لأولادهم، حيث يعتقد الأهل بأن إغداق الأموال عليهم يعد كافياً ويلبي كل احتياجاتهم، مؤكداً بأن الأهل يخطئون كثيراً في ذلك وربما يخسرون أبنائهم نتيجة ذلك.
وأوضح بأن والده دائم السفر والانشغال بعمله ولا يراه إلا لماماً وعندما يلتقيان مصادفة أو يتحدثان بالهاتف لا يسأله إلا إذا ما كان بحاجة لأي مبلغ مالي، دون الالتفات لأي شأن آخر من شؤون حياته، مضيفاً بأن وضع والدته لا يختلف كثيراً عن والده فهي دائمة العمل والتواجد خارج المنزل للإشراف على صالون التجميل الذي تملكه حيث إنها لا تعود إلى المنزل إلا في وقت متأخر من الليل.
ملاذ الأصدقاء
وقال علاء العابد إن المراهق لا يعير أي اهتمام للبيت ويصب كل تركيزه على أصحابه خارج البيت، الأمر الذي يجعله يصارحهم بكل شيء ويرسم من خلال آرائهم مخططاً لأمور حياته، مشيراً الى أن هذا الأمر يحمل بين ثناياه عواقب وخيمة خاصةً إذا ما كان أصدقائه من رفاق السوء. وعزا علاء أسباب ذلك إلى التقصير من قبل الوالدين وعدم توفير الجو المناسب لولدهم في البيت، وأيضاً عدم الاستماع إليه أو احترام آراءه وتقديرها من قبل الأسرة ما يدفعه للبحث عن التقدير والاحترام.
تقتير الوالدين
ويضيف بأن والده وعلى الرغم من تقتيره الشديد بحق أفراد الأسرة تجده يتفنن في شراء أغلى الملابس والعطور لنفسه، بالإضافة الى تنظيم رحلات سفر خارجية مع أصدقائه سنوياً تشمل دولاً في شرق آسيا وأوروبا، لافتاً الى أنه حاول مرات عدة فتح حوار مع والده بهدف إحداث تغيير في سلوكه إلا أن والده وفي آخر مرة قال له كلمة منعته من التفكير مجدداً بالتطرق الى هذا الموضوع بقوله (إذا لم يعجبك الحال لدي يمكنك أن تبحث لنفسك عن مكان آخر أفضل).
وقال جمال بأن مشكلته تتشابه في بعض جوانبها مع معاناة صديقه حسين، لجهة بخل والده حيث رفض في أحد السنوات دفع الأقساط المدرسية له، وقال ان هذا الأمر الذي جعله يعمل في أحد المطاعم في تلك السنة لتأمين مصاريف المدرسة في العام التالي.
موضحاً بأن المعاناة تمتد إلى كون والده من رواد النوادي الليلية كما سمع من كثير من الأصدقاء الذين شاهدوا ذلك بأم أعينهم، لافتاً الى أن كافة الدلائل كانت تؤكد حدوث مثل هذا الأمر، إذ كان الأب يعود الى المنزل في كثير من الليالي مخموراً ما يشعل نيران شجارات حامية مع والدته التي كانت - كما يقول - تصبر على كل شيء إلا تعاطي الخمر والرذيلة.
الأسرة تشجع النمو السوي لأبنائها أو تعوقه
الأخصائي الاجتماعي والنفسي أيمن أبو شقرة قال إن الأسرة التي ينشأ فيها الفرد لها الأثر القوي في كثير من تصرفاته وسلوكه، وهي الإطار الرئيسي الذي ينمو فيه من سن الطفولة حتى مرحلة المراهقة على الأقل، فالأسرة تقدم ما يحتاج إليه الطفل من النماذج ومن المعايير على الصعيد الوجداني، والاجتماعي، والمهني، والفكري، والأخلاقي، لكي يؤدي وظائفه مستقبلاً.
مشيراً الى أن سنوات مرحلة الطفولة والمراهقة تعتبر ذات أهمية حاسمة بالنسبة لتطور الفرد من جميع النواحي في السنوات التي يكتسب فيها الطفل اتجاهاته ومواقفه الأساسية إزاء نفسه وتجاه الآخرين، كاحترام الذات، والحب والكراهية، والصدق والكذب، والثقة بالنفس أو الخوف، مؤكداً بأن الأسرة يمكن أن تشجع النمو أو أن تعوقه بما تنقله للطفل من قيم وإمكانات وقدرات.
كما أنها تقدم له نماذج للدور الذي يمكن أن يلعبه مستقبلاً وتحدد له بدورها أساليب لتحقيقها، وتوفر الأسرة للطفل العناصر الغذائية، والحسية، والاجتماعية، والوجدانية، والفكرية من أجل نموه. فإذا ما تعذر على الأسرة التعامل إزاء هذه المهام، بسبب الضغوط الاقتصادية أو الاجتماعية أو الوجدانية.
فلا بد من التوصل إلى حلول بديلة تحقق الغرض ويتضح دور الأسرة في الوقاية من المخدرات في عدة مظاهر وأدوار وقائية وعلاجية ابتداء من مرحلة البناء والنمو الجسمي، والنفسي للطفل، عن طريق التفاعل الاجتماعي وتحقيق الذات في مواجهة مستجدات الحياة، والاستقلالية في مواجهتها، إلى مرحلة البناء السلوكي، الذي يتجلى في توعية الأبناء التوعية السليمة لوقايتهم من الانحراف، وتوجيههم التوجيه السليم في اختيار الأصدقاء، واختيار برامج التلفاز المناسبة، ومتابعة سلوكيات الأطفال المبكرة.
للهموم أسبابها
استقراء بعض آراء الشباب الجامعيين يظهر ان لديهم حسب وجهات نظرهم الكثير من العوامل التي تكرس هموم ومشكلات الشباب..ويرى الشباب أن هناك العديد من الأسباب تقف وراء مشكلاتهم النفسية وضغوطاتهم الاجتماعية.
جمعة سلمان «طالب جامعي» قال إن هناك عوامل عديدة تقف وراء مشكلات الشباب والمراهقين، منها وجود حالة من التأرجح بين التقاليد السائدة والتيارات المستوردة، وهو ما جعلهم يفضلون تقليد الغرب على الانصياع للتقاليد الاجتماعية الصارمةولجأ الكثير من الشباب إلى محاكاة ما تحمله الافلام والقصص الغربية وظهر ذلك جليا في ميلهم للعنف والجري وراء المخدرات والكحول ووضع العلاقات الغرامية المحرمة في أولويات أجندتهم وما إلى ذلك من مفاسد تؤثر تأثيراً مباشراً على الفرد والمجتمع.
فيما يشير زميله الطالب سعيد أحمد إلى أن انتشار العديد من مظاهر الفساد بين الشباب والمراهقين يعود الى إحساس الشباب بالإحباط واليأس بسبب التغيرات الاجتماعية السريعة وما قد تفرزه من معطيات حيث يعمد إلى الجريمة والسرقة والإدمان للهروب من هذا الواقع.
وأكد أن انتشار ظاهرة عقوق الوالدين بين الشباب تعود إلى صراع الأجيال بين الآباء والأولاد وعدم احترام الآباء لخصوصيات الأبناء والظروف شديدة الحساسية التي يعانيها الشباب، بالإضافة إلى أن بعض وسائل الإعلام والقنوات الفضائية أسهمت في دفع الشباب إلى السير في طريق الانحراف.
خالد اللوباني
