على الضفة الأخرى من دبي، وفي ديرة بالتحديد، يقع أحد أقدم أسواق دبي، المدينة التي هي أشبه ببطاقة ذاكرةٍ لا سقف لها، تستوعب كل التفاصيل والأحداث، القديمة منها والمتسارعة في الحداثة، تسجلها بدقة، وترصد إيقاعات الحياة فيها بتمازج أقدم الأماكن فيها مع أحدث المشروعات التنموية.

رحلة إلى سوق البهارات والأعشاب في ديرة، أو كما درجت تسميته سوق «الحلول» أو سوق «الدويات» أي الأدوية، تبعث في النفس شعوراً بأن الطبيعة تفوح من ممراته، ودهاليز دكاكينه الصغيرة، وبساطة تصميمه، وسقفه الخشبي الذي يختزل الرطوبة، ويحجب أشعة الشمس خلفه، سامحاً بمرور قضبان ضوئية تنير جزءاً لا بأس به من المكان. يقع السوق على مقربة من ضفاف شريان المدينة، بينما يفصل بين جناحي السوق شارع فرعي يؤدي إلى مرسى العبرات على ضفة الخور بديرة، ويمتد في الجانب الآخر إلى داخل السوق الكبير بمرافقه المختلفة ومحلاته المتنوعة. بينما يمتد سوق البهارات على شكل ممرات متوازية تصطف فيها دكاكين صغيرة، تُعرض على عتباتها أكياس الأعشاب المختلفة، وتحتوي الدكاكين في الداخل على أصناف متنوعة من البضائع، تشمل الأدوية والمستحضرات الطبيعية، والعطور وزيوت الشعر والبشرة.

وجهة سياحية

أكوام السواح تتوافد إلى المكان منذ الصباح الباكر، فإلى جانب مكانته الاقتصادية، يُعد السوق وجهة ثقافية ومعلم سياحي بارز في المدينة، وهناك توجد المكونات الرئيسية لبعض الأطعمة والتي تجلب من الهند وإيران، والوصفات الدوائية بسعر زهيد، والزيوت والعطور بأسعار منافسة.

الأعشاب تستوطن المكان وتحتل الجزء الأكبر من السوق، بحيث تشمل أنواعاً مختلفة، منها الحلول، وهو مخلوط عشبي من الخروع والورد والزعتر والحلبة واللبان واليليلان (بذور الكزبرة) واليعده وحبة الحلوة، وحول فائدته يقول أحد الباعة إن مخلوط الأعشاب يُعد مليناً للمعدة وطارداً للسموم وذلك بعد أن يتم غليه وشربه.

ويبلغ سعر الكيلو منه 25 درهماً، ويجلب غالباً من الهند، وهناك أيضاً أعشاب مشابهة في المفعول، منها ما يُسمى «الطبيخة» والتي يُشرب محلولها بهدف التخلص من الغازات، وهي خلطة إيرانية الصنع، وتتوفر في المحل أعشاب طبية أخرى، منها ما يستخدم لمرض السكري، إلى جانب أعشاب الزهورات وهي بحسب صاحب المحل مجموعة من الأعشاب البرية التي تتشابه من حيث الفوائد الصحية العامة ولكنها تتميز ببعض الخصوصية في العلاج.

وهي خليط من اليانسون والنعناع البري والبابونج وأوراق الزعتر وزهرة الخاتمية وزهرة البنفسج، والجوري والخزامي، وإكليل الجبل والورد، وتشرب الزهورات للوقاية من نزلات البرد في الشتاء والتخفيف من حدة المرض. والكركديه كذلك، واحد من الأعشاب المستخدمة لخفض ضغط الدم المرتفع ومقو للدورة الدموية، ومنشط لعملية الهضم، ويتم تحضير شراب الكركديه بغلي العشبة الحمراء وتصفيتها ويضاف السكر إلى مائها ويشرب بارداً أو دافئاً.

ويحتوي السوق على أنواع مختلفة من العطور الطبيعية، منها ما يُجلب من الهند وإيران، ومنها ما يُصنع في الدولة، إلى جانب البخور المحلي، هناك أيضاً ركن للمكسرات الإيرانية المملحة وغير المملحة والمستخدمة في بعض أصناف الطعام والحلويات، مثل الجوز والكاجو واللوز والصنوبر وتتراوح أسعارها بين 30 و50 درهماً للكيلو.

رحلة واحدة إلى سوق البهارات في دبي لا تكفي، فالطبيعة تختزل خيراتها في أكوام البهارات والاعشاب الممددة على عتبات الدكاكين، وفي زواياها المتفرقة، وفي مركبات طبيعية تستحق التجربة.

بهارات ونكهات

إلى جانب الأعشاب، يعج المحل بالبهارات المختلفة أو «البزار»، ومنه ما هو للبرياني، وآخر للسمك المشوي، تقول إحدى زبونات المحل التي دأبت على اقتناء بهاراتها من السوق، «البزار كلمة محلية تطلق على مجموعة من البهارات التي تُطحن وتخلط مع بعضها بنسب متفاوتة وتضاف للطعام حسب الرغبة، ومن هذه البهارات الكركم، والفلفل الأسود والأحمر واليليلان «بذور الكزبرة» والقرفة والهيل والحلبة والمسمار والسنّوت «الكمون» و«حبة الحلوة» وتختلف أسعار «البزار» حسب نوعيته، وتتراوح بين 30 إلى 35 درهماً للكيلو.

إضافة إلى البهارات يقول البائع مجيد «هناك مطيبات طعام أخرى، مثل الليمون اليابس المستورد من عمان، والذي يُضاف إلى نوعيات من الوجبات المحلية بهدف إضافة نكهات مختلفة، كذلك الزعفران الإيراني، والذي يُعد الأفضل على الإطلاق.

أمل الفلاسي