بعيداً عن التقليدية.. وفي محاولة للاقتراب من الهم الحقيقي والتفكير في الحل بصوت مسموع .. وعبر دردشة سبرن أغوارها بشفافية وصدق.. وخططن بجرأة لمستقبل يردنه لأنفسهن .. أشارت الفتيات بالبنان إلى الأسباب التي تتوارى خلف غياب الطموح .. وأثرها على مستقبل الشباب وضرورتها في إعادة رسم خارطة إمكانيات الجيل القادم وتحديد هويته ..

على طاولة تعج بالكتب الدراسية والمذكرات والكومبيوترات المحمولة وأكواب القهوة .. وفي إحدى غرف الدراسة بمكتبة الجامعة .. تم استطلاع آراء فتيات جئن إلى الجامعة من مناطق مختلفة بالدولة، وانخرطن في مجتمعها وتكيفن مع تغيرات الحياة فيها بطريقة اعتبرنها أضافت لهن الكثير على المستويين العلمي والشخصي.

بدأت خولة الزرعوني ؟ طالبة في السنة الأولى ؟ حديثها عن الطموح باعتباره تحدياً كبيراً .. فالطموح والدراسة برأيها يسيران جنباً إلى جنب، ولكن ما قد يعيق ذلك .. هو صعوبة المناهج الدراسية .. والتركيز الذي تفرضه الدراسة يتطلب وقتاً كبيراً.. والتحدي المستمر في بيئة العمل ومفهوم الطموح الذي لا يخضع لحواجز قد يرهب البعض ويجعله يتراجع ويكتفي بما هو عليه.

بينما اعتبرت زميلتها مريم يوسف أن الزواج بما يشمل من المسؤوليات التي يفرضها يعد حاجزاً أمام انطلاق طموح الفتيات، فتكتفي بعد الزواج بتربية الأبناء والتخلي عن العمل أو الدراسة، فالموازنة بالنسبة لها أمر نسبي اختلف بتغير إيقاع الحياة التي نعيشها، ولكن سؤال حول تجربة الأمهات اللاتي تمكن من الدراسة وتحقيق طموحهن كان سبباً في اتفاق مريم وخولة بأن الحياة اختلفت، وحتى الدراسة الجامعية أصبحت أكثر صعوبة، بدليل أن المحاضرات الدراسية امتدت لتقضي على ساعات النهار كلها.

وفي سؤال حول ما إذا كان الاكتفاء بالشهادة الثانوية يُعد تقاعساً وانحساراً للطموح، أجابت منال عبدالله ؟ طالبة بالسنة الأولى ؟ : »تطمح بعض الفتيات إلى تحقيق ذواتهن عبر الالتحاق بالوظيفة بعد الثانوية مباشرةً، ويعتبرنه إنجازاً على المدى القصير، بينما يتبين لهن بعد حين أن الحياة تستوجب المزيد من المعرفة والعمل الجاد«، توافقها في ذلك زميلتها مريم، التي ترى في ذلك تحقيقاً لمبدأ الاستقلالية المعنوية والمادية، إلى جانب حرية الاختيار التي يوفرها العمل.

العلم يعزز الطموح

لأنهن حظين بفرصة الالتحاق بالتعليم الجامعي، وقيمن تجاربهن بعد مرور سنة، اعتبرتها الفتيات تجربة غنية، تعزز الطموح وتوسع مدارك الطالبة، وتوفر لها اختيارات مستقبلية تحظى بفرص نجاح أكبر، وفي رد حول دور الجامعة في دعم الطموح وتحقيقه قالت مريم يوسف: أعتبر بيئة الجامعة محفزة، فقد تعلمت الكثير منذ التحاقي بها، هنا نتعلم مبادئ القيادة ومهارات الاعتماد على النفس، وتنظيم الوقت، إلى جانب أن الاحتكاك بثقافات أخرى يحتم التفكير بطريقة مختلفة، لعل أبرز معالمها التحدي وضرورة إثبات الذات.

وبالنسبة لخولة، تعتبر الجامعة بيئة مكنتها من الاطلاع على تجارب مختلفة لفتيات يقاسمنها المرحلة العمرية نفسها، ولكنها مثلت لها تحدياً، »تعرفت منذ فترة على قصة نجاح إحدى الطالبات في الجامعة، التي تمكنت من الحصول على دبلوم طيران في عمر 18 سنة، والتي اعتبرتها تحدياً لي، ما دفعني للتخطيط لحياتي العملية وتحديد أهدافي من جديد«.

واتفقت معها منال في أن بيئة الجامعية هي نقطة انطلاقة جديدة نحو تحقيق الأهداف، ورسم الطموحات، »لعل أبرز ما استوقفني قصة نجاح المخرج محمد سعيد حارب في إطلاق أول مسلسل كرتوني إمارتي، والذي كان نتاج رحلة طويلة من العمل الجاد والتحديات، فلابد أن دور الأهل في تحقيق الأهداف محوري، فهم مسؤولون عن غرس ثقافة الطموح، فأهلنا لم يحظوا بنصيب وافر من التعليم، ما زاد نهمهم للعلم، ورغبتهم في أن يحقق أبناؤهم ما لم يستطيعوا تحقيقه«.

دور الأهل

لخصت الفتيات الأسباب التي تكمن وراء غياب الطموح وانحسار أهداف الشباب والمراهقين في دور الأهل والتنشئة الصحيحة، وما تغرسه من ثقة تنعكس على سلوك الأبناء في وضع الأهداف والتخطيط المستقبلي وضرورة مواجهة التحديات، إلى جانب دور في تجنيب الأبناء آثار التجارب السلبية، وأهمية اجتياز الصعوبات النفسية لتلك التجارب.

كما اعتبرن الطموح ثقافة مجتمعية يجب أن تنشر بتكاتف الجهود، فالمدرسة والجامعة وبيئة العمل جميعها جهات مسؤولة عن تغذية طموح الشباب عن طريق دورات التحفيز الذاتي وتنمية المهارات.

الحل والوقاية

يُعد غياب الطموح ظاهرة اجتماعية أسبابها تعود إلى التربية والتنشئة السليمة، وترى الاختصاصية النفسية أمل بالهول أن عدم الإحساس بالمسؤولية واللامبالاة عند الأطفال من الأسباب الرئيسية للظاهرة، ويُقصد بهما أن يسود السلوك الاعتمادي، ومن مظاهره طلب المساعدة المستمرة والمحبة والانتباه من الآخرين عن طريق المراقبة المستمرة أو التحدث إليه أو النظر إلى ما فعل، وظهور علامات عدم النضج مثل البكاء - خاصة بعد أربع سنوات إذا ابتعد عن أمه ولو لفترة قصيرة من الوقت - والنحيب؟ في مرحلة ما قبل المدرسة والسنوات الأولى من المدرسة ، وكثرة التذمر والشكوى، وفي الغالب يظهر الطفل الاعتمادي سلوك المقاطعة على حديث الوالدين.

إلى جانب مطالبته لهما بعمل أشياء له بإمكانه أن يعملها بنفسه، ومن مظاهره سلوكيات عدة مثل الاقتراب الجسدي أو الحاجة إلى البقاء بقرب أحد الراشدين.وللوالدين دور محوري في تعزيز هذا للسلوك فقد يجده أحد الوالدين سلوكاً ممتعاً، كما أن بعض الآباء لا يريدون لأطفالهم أن يكبروا، ومنهم من يبالغون في حماية أبنائهم بحبهم الطاغي أو الخانق لهم، إلى جانب الشعور بالذنب بسبب بعدهم لعملهم عنه يستسلمون له ولنحيبه تساهلهم الأبوين بسبب الخوف من النحيب الذي قد يجعل الطفل لا يحبهم إذا كانوا حازمين معه، أو عدم ثقتهم من موقفهم وخضوعهم لطلباته.

لذا يتراجعون بسهولة ويستسلمون لرغباته غير المنطقية.كما أكدت بالهول أن أثر الظاهرة على مستقبل الشباب خطير، لأن المرحلة التي يمرون بها تعتبر مهمة في تكوين الشخصية، وعليه فإن ما يتعرض له الفرد في هذه المرحلة من ضغوطات وصدمات سلبية ،تترك أثرا سلبيا في بنيته الشخصية، بحيث تظهر في شكل اضطرابات نفسية، مثل: الشعور بالنقص، وفقدان الثقة بالنفس، والإحباط والخوف على تحصيله الجامعي.

إضافة إلى تشويش تفكيره في مختلف القضايا التي تواجهه سواء في الحياة الدراسية أو اليومية، حيث قالت: تمثل دافعية الإنجاز أحد الجوانب المهمة في منظومة الدوافع الإنسانية، والتي أهتم الباحثون بدراستها، ويرجع الاهتمام بها إلى دورها في المجال النفسي وفي الميادين التطبيقية والعلمية، كالمجال الإداري والتربوي والاقتصادي، والأكاديمي، كما يعتبر الدافع للإنجاز، وواقع الطموح مكونان أساسيان في سعي الفرد تجاه تحقيق ذاته، وتوكيدها، حيث يشعر الفرد بتحقيق ذاته من خلال ما ينجزه، وفيما يحققه من أهداف، وفيما يسعى إليه من أسلوب حياة أفضل، ومستويات أعظم لوجوده الإنساني.

طرق التعزيز

أكدت بالهول أن طرق الوقاية من هذا السلوك الاعتمادي تكمن في بث بعض المفاهيم في مرحلة التنشئة الأولى، من خلال تعليم الأطفال مبادئ تحمل المسؤولية وتشجيع القدرة على اتخاذ القرار والاختيار.

دور المعلم

تتوقف تنمية الدافع للإنجاز وواقع الطموح لدى الطلبة، على المناخ النفسي والاجتماعي السائد في الجامعات وفي غرف المحاضرات على وجه الخصوص، بحيث يبرز دور المعلم في مقدرته على خلق وتوفير المناخ الصفي الملائم وذلك من أجل تحسين واقع الدافعية ومستوى الطموح عند الطلبة .

كما تظهر العوامل الرئيسة المكونة للمناخ الجامعي، كالإدارة الجامعية وما يتعلق بها من قرارات وتعليمات وهيئات التدريس وطرق التدريس، والمرافق الجامعية، والتي تتمثل في الساحات والملاعب والأبنية وغيرها، والأنشطة الطلابية والعلاقات الإنسانية بين الطلبة أنفسهم وبين الطلبة ومدرسيهم.

أمل الفلاسي