عجباً لهذا الوقت الذي تتضارب فيه معايير قيم الأشياء، حتى الحوار التفاوضي مع الصغار، محاولة لإصلاح الأحوال، والأوضاع، أو تنفيذ ما قد يسعف عطشا أو جوعا، ويلئم جرحا أو يوقف نزفا، أو يسكن رعشة برد في مخيم بفلاة يسكنها صغار يلدغهم الجوع ويقرص أفئدتهم البرد والخواء. فسلام.. سلام يا صغار.
حملتهم في زمن متشظ.. أرحام القلق والتحدي والحب رغم الأرق، وربطوا بحبل فلسطين وسِرّ البقاء، تخطوا الوجع وحد الألم، ومفارقات الواقع بتجاوز كل جحيم يحاصرهم، تجاوزوها بنور النبي المُسرى به إلى القدس ليلا منذ مئات السنين. الأرض والمصير والسماء شهود على العهود، صور المرحلين، أولئك الذين صمدت عيونهم وأفئدتهم وتكبدوا قسوة الصراع باليد الواحدة في البلد المراد له صياغة من جديد، كيف وهناك حدود وأقسام، وشعب ممزق ولا جديد!
ولد الصغار كبارا، ولدوا في حِجْر مثقل بالوطن والمصير المعدم، ويحملون الأرض نارا من حَجَر يُحملونه (ثأر وقهر ومرار، عروبة، أرض ولا قرار)، صيرورة المكان صهيل خيول ابن الوليد. والصمت المرير.. في الوقت والزمان القريب المريب. اشتعال ثم تبلد، تخمد بعده كل نار، فلا الصور تتغير، وتراوح أبشع الصور مكانها في الروح. كطفل خلف والد يلوح متفاديا إصابة قلب الصغير الحالم ويقذف الوجع بقلب الكبير المنهك، فلا يسمع الصوت! وتبقى الصورة خناجر مغروسة في الروح!
رصيف يبكي المتكئين عليه، ورائحة تزكم الأنوف انتشرت في الأجواء مرتحلة نحو السماء يشيعها فخر الأمهات وزغاريدهن المنطلقة من كبد الوجع (الطير يرقص مذبوحاً من الألمِ).
أرواح ملتحفة بالرحمات، ومنها تتوالى ولادات الصغار كبار.
«يا سلاما» مربوطون نحن.. بالصبر وبالصقل وبالصناديد. مربوطون بمن يحملون الحجر ليكبر بهم الوطن.. حجر يشق منافذه في اليد مؤكدا على الحرية. مادامت تنبض في الأرض الصخرة، مادام بها رمل يسقى وعشب يروى بدم الأبرار، فلتحرق خلفهم الأبواب، ولتنصب دونهم الحواجز والجدران، ولو قسمت البلاد لبلاد، ولو انتثر الناس وتكاثروا بلا عتاد.. فما زالت تصدح منابرها بالأذان، ولكأن الصدى لصوت بلال ينادي في الأرجاء حي على الفلاح، ولا فلاح إلا بكم، ولا صلاح إلا بكم، ولا صدق غيركم، كبار يا سلام.
فلاّحنا بالأرض المقدسة، موعود بالسلام، لكن عدوا كذابا، ووعده سراب، وهم خلف وعده باتوا في الخيام، خيام تأوي براءتهم، وترتق عيونا ممزقة وأفئدة من عذاب.
كبار يا سلام.. هدايا العرس الآيب، وبشائر الوعد الصادق، وعد تترجمه المذابح، وتخريب المساجد، وأنفاق الهدم وتشييد الحواجز، وبكاء الثكالى والمكلومات، وغلبة الدين وقهر الرجال، وغربال الدفاتر الصغيرة في حقائب الصغار على الطرقات، والحلم بألف وباء، ومقاعد مليئة بالتاريخ والعلّم والتحية وأناشيد البناء، والعودة للدار، وهجر البراح للزرع والحقل والأشجار.
وسرب الحمام قائد همام لرحلة السلام، سلام هو أبعد من حلم يعرج على الأغصان، على الزيتون والرمان، حلم بأمان مسلوب، وطفل لا يلعب بالحجارة بل يقاوم ليبقى، حين عجز عن حمايته الكبار. هؤلاء الصغار كبار، نحاول أن نتعلم منهم كيف نكون كبارا، كيف نلملم أنفسنا لحوار، ونحارب ذاتيتنا لنسترجع ابتسامة لاجئ، يتجرع الغصة من 60 عاما. فكيف.. كيف نتعاضد من أجله، وكيف نفكر كالكبار؟ وكيف نطالع ذلك.. الأخ الإنسان المهان؟ وكيف.. كيف نحن وهو جسد واحد ولا نتداعى لشكواه بالسهر والحمى؟
«سلام يا صغار» حملة الشارقة لأطفال فلسطين التي حملت أكثر من معنى للتعاضد والتكافل والمساندة، هي صحوة عملت على تفتيت الرواسب المتراكمة من التبلد الذي سببه الإعلام المشوه، والحقيقة المؤلمة المنقولة عبر قنوات مسيسة هدفها تجميد الصورة ثم تحطيمها ومن ثم تلاشيها الحتمي.
ما من عقل بشري يمكنه احتمال هذا الكم من الحزن والقسوة والظلم المتراكم، ولا يعمل على جرفه بعيدا، كحيلة يفرزها العقل لتخفيف الوجع من «قلة الحيلة»، تلك الحملة وجهت الأنظار لقضية أكبر من حدود المساعدة والمساندة، للآخر الذي هو أنت في ملامحه وعروبته، هو أنت في تاريخه ورموزه وطقوسه وتعاليم دينه، هو أنت المسلوب أرضه والمنتهك عرضه والمغدور، وأنت المنهك والموجوع.
وأنت المعوز والمنتحب وأنت المتعالي على القهر والألم، وأنت المترفع عن السؤال، وأنت الرابط حجر على جوع الأيام، وأنت المنتظر رحمة السماء القريبة، وأنت التناقض بين إصرارك والتحدي وبينك القريب الغافل، وأنت احتمال التخطي لكل ظرف قاس ومحتمل وأنت الشاهد والمشاهد والضحية، وأنت هو!
لكنه هو أكبر وما زال يكبر بما يحمله وما يتحمله، فتحية له والسلام، وسلاما يا كبار.
عائشة العاجل ـ الشارقة