تعتبر دار الرعاية الاجتماعية في الفجيرة التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية من الدور المهمة في الإمارة التي تساهم في رعاية وتقويم سلوك الأحداث المنحرفين بطرق علمية واجتماعية ونفسية مدروسة.

وكشف مدير مركز الأحداث بالفجيرة بالإنابة خميس محمد الخديم ان الدار استقبلت عام 2006 (42) حالة، بينما استقبلت الدار 51 حالة عام 2007، أي بزيادة قدرها 21 في المئة عن العام السابق له، وفي الوقت الحالي تبلغ الأعداد حوالي 30 حالة منذ بداية عام 2008 حتى الشهر الحالي، وقد بلغ العدد الإجمالي للحالات التي استقبلتها الدار منذ افتتاحها في شهر يناير 2006 حتى الآن 123حالة.وقال ان هناك العديد من البرامج التي تتبناها دار التربية الاجتماعية للفتيان ضمن الخطة التشغيلية التي تهدف الى الحد من جنوح الأحداث، وتأتي تلك البرامج في سياق مبادرة الرعاية اللاحقة التي توليها الوزارة اهتماما كبيرا، وبدعم خاص من معالي مريم محمد خلفان الرومي وزيرة الشؤون الاجتماعية، حيث أفردت لها الوزارة برنامجا خاصا بوثيقتها المتعلقة بالخطة الإستراتيجية للحكومة الاتحادية التي أقرها مجلس الوزراء الموقر في فبراير 2007.

أما عن الآثار البيئية المحيطة في تكوين الحدث فقد أكد الخديم أن هناك العديد من العوامل البيئية المؤثرة في سلوك الحدث أهمها الانفتاح الثقافي المترتب على تطور وسائل الاتصال وما تبعها من انفتاح على الثقافات المختلفة، أيضا طبيعة التطور التي يمر بها المجتمع، وما نجم عنها من اختلاط الثقافات الأخرى بالثقافة المحلية لمجتمعنا، يأتي بعد ذلك عوامل أخرى تتمثل في المستوى التعليمي للأسرة.ومدى اهتمامها بالناحية العلمية لأفرادها، حيث أن اهتمام الأسرة بالنواحي العلمية يضفي عليها مناخا يتسم بالوعي المعرفي في شتى مجالات الحياة، ومن أهمها الوعي المعرفي بأساليب التربية الحديثة بما يتماشى مع مجريات العصر، والتطور الشامل في شتى مناحي الحياة، أيضا شلة الرفاق وما تمثله صداقات الحدث، ذلك أننا لا يجب أن ننسى المقولة الشهيرة ( قل لي من تصادق أقول لك من أنت )،وقول الشاعر:

لاتسل عن المرء وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي

حيث تمثل شلة الأصدقاء عاملا هاما في فكره وسلوكه وبالتالي في شخصيته، وأيضا قضاء وقت الفراغ يؤثر كثيرا بدوره في سلوكيات الحدث، وبالتالي في شخصيته، وأخيرا فإن هناك عاملا هاما يؤثر في تكوين الحدث ويتمثل في زيجات كبار السن من فتيات صغيرات، خاصة ممن يتزوجون بهم من دول شرق آسيا، فالأب يكون قد بلغ من العمر أرذله، وبالتالي لا يستطيع متابعة الحدث، بينما تنتمي الأم الى ثقافة مختلفة، وهذا بدوره يؤدي إلى اختلاط العادات والمفاهيم التي من شأنها أن تؤثر سلبا على الحدث ذاته.

وأشار إلى أن الدار تستقبل الأحداث الجانحين كافة الذين يردون إليها بموجب تدابير الحكم الصادرة بحقهم من المحكمة، وعادة فإن الجنح الذي يرتكبها الأحداث تتمثل في المشاجرات والعنف، والسرقة، وبعض القضايا الأخلاقية، والقيادة بدون رخصة، ولا توجد بالدار حالات من الأحداث الفتيات، إذ أن الدار للأحداث الفتيان فقط، ويتم تحويل حالات الأحداث الفتيات إلى دار التربية الاجتماعية للفتيات بالشارقة.

كما تستقبل الدار الأحداث من حملة جنسية وجواز دولة الإمارات العربية المتحدة، بينما الأحداث غير المواطنين فيخصص لهم مكان في المنشآت الإصلاحية والعقابية، وتقوم الدار بإعداد البحوث الاجتماعية والنفسية اللازمة لهم لتقديمها إلى الجهات المعنية.

وعن البرامج والفعاليات التي يتواصل بها المركز مع المجتمع أشار الخديم إلى أن هناك البرنامج التوجيهي الوقائي لسن الحداثة، والذي ينفذ تحت شعار (معا لمجتمع خال من الانحراف) ويشتمل على ثلاثة محاور اولا: عقد محاضرات وندوات وورش عمل لطلاب المدارس بالمنطقة الشرقية بهدف التوعية، ثانيا التوعية الشاملة لكافة شرائح المجتمع من خلال وسائل الإعلام المختلفة.

ثالثا: برنامج تدريبي لطلاب كلية التربية، فرع الفجيرة، بالتعاون مع شبكة جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا، تحت شعار (أنتم شركاؤنا في التنمية)، وهو الشعار الذي تتبناه وزارة الشؤون الاجتماعية.

ويهدف هذا البرنامج لتدريب طلاب الكلية على كيفية التعامل مع حالات العنف المدرسي التي يمكن ان تواجههم بعد التخرج من خلال إيقافهم على سبل دراسة تلك الحالات، كي يكون عندهم الإلمام الكافي بالطرق التي يتعاملون لها مع تلك الفئة، وفي ذات الوقت يقوم طلاب الكلية بتدريس ابناء الدار في مختلف فروع تخصصاتهم.

كما تنفذ الدار خلال الفترة القادمة برنامجا آخر، وهو أسبوع العمل الاجتماعي تحت شعار (جميل أن يكون لك صاحب أنت عقله، ولكن الأجمل أن يكون لك عقل أنت صاحبه)، ويهدف إلى جمع الأحداث المفرج عنهم من دور التربية الاجتماعية كافة في إقامة دائمة لمدة أسبوع بأكمله في الدار يهدف الى إعادة تجديد ما تلقونه من رعاية أولية بدور التربية الاجتماعية لضمان عدم عودتهم للإنحراف مرة أخرى.

ضعف الدور الأسري في الإشرافعلى الأحداث يفاقم مشكلاتهم

لا أحد ينكر الدور الكبير الذي تلعبه الأسر على صعيد بناء وتكوين شخصيات الأبناء، فهي المحاضن الأساسية التي ينطلق منها الشباب نحو الحياة متسلحين بجميع مقومات الدفاع عن أنفسهم أمام إغراءات الانحراف ومهاوي الرذيلة.

ولعل ما تقوم به دار رعاية الأحداث بالفجيرة يسير في هذا النهج حيث تحرص على راب الصدع الذي خلفه غياب الدور الأسري على النحو الأكمل والحرص على إخراج الأحداث بعد التأهيل عناصر فعالة لا تولي وجهها نحو الدار طيلة حياتها.

وقد أكد اختصاصي علم الاجتماع محمود الشايب أن نجاح الخدمة الاجتماعية وفاعليتها في تعديل سلوك الحدث يقاس بعدد حالات عودة الأحداث المفرج عنهم من الدار إليها مرة أخرى أو نسبتها المئوية مقارنة بالعدد الإجمالي للأحداث المفرج عنهم ككل، كما أن هذه النسبة يتم قياسها سنويا.

وقال: إذا قمنا بقياس تلك النتيجة نجد أن نسبة العودة بالعام الماضي كانت 4% بينما كانت في العام قبل الماضي 8 ,4%، وهذه النسبة دليل على نجاح الخدمة والرعاية التي تقدم للأبناء بالدار، إذ تصل في دول كثيرة الى ما فوق 7% ما يعطي مؤشرا واضحا على التقدم الذي نحققه في هذا المجال.

وعن الفعاليات والبرامج التي يحرص على توفيرها مركز الرعاية الاجتماعية بالفجيرة للأحداث أشار الاختصاصي الاجتماعي محمود الشايب إلى أن المركز يقوم بتعليم الأبناء وتدريبهم على استيعاب المفاهيم والمدركات الخلقية، حيث تصب جميع البرامج وأنواع الرعاية المقدمة في محو السلبيات وتعزيز الايجابيات على النحو التالي: الرعاية الاجتماعية .

حيث تتم من خلال استقبال الحدث وتأمين مكان المعيشة المناسب له من حيث الفئة العمرية التي ينتمي إليها، وطبيعة السلوك الانحرافي الذي ارتكبه، ثم يتم عمل البحث الاجتماعي الشامل له وللأسرة بهدف التعرف على الدوافع والأسباب المؤدية الى انحرافه للتمكن من وضع الخطة الاجتماعية المناسبة له من خلال الاختصاصي الاجتماعي المسؤول عنه، ثم يدمج بعد ذلك في الجماعة.

ثم تأتي الرعاية النفسية حيث تبدأ بملاحظة الحالة وإجراء المقابلات والاختبارات النفسية، والذهنية اللازمة وكذا اختيارات الميول والقدرات، بالإضافة إلى الجلسات الجماعية والارشادية لرسم خطط وطرق العلاج لتلك الحالات بغية تمتعهم بصحة نفسية سليمة.

وبعد ذلك تأتي لرعاية الدينية وتشمل تحفيظ القرآن الكريم، ودروس الوعظ الديني، ويقوم عليها واعظ من الأوقاف، وواعظ من الهلال الأحمر. ثم الرعاية التعليمية وفيها يتم من خلال متابعة استذكار الأبناء لمناهجهم الدراسية، وتحصيل دروسهم، وتنسيق امتحاناتهم بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم، الى جانب إكسابهم مهارة التعلم على الحاسب الآلي.

والرعاية المهنية والتي تهتم بتعليم الحرف المناسبة لميول الأبناء وقدراتهم داخل الدار، وذلك وفق برامج معينة تهدف الى تعويد الأبناء على الاعتماد على النفس، وتحمل المسؤولية، وإكسابهم بعض المهارات الحياتية، من خلال تبني مشاريع مهنية تعمل على تعزيز الثقة بالنفس لدى هؤلاء الابناء.

وأخيراً تفعيل النشاط الرياضي حيث تتنوع أوجه النشاط الرياضي المقدمة للأبناء بالدار، من رياضات فردية وجماعية وألعاب القوى بالصالة الرياضية إلى كرة القدم والطائرة والسلة والتنس وغيرها من الرياضات التي تعمل على تهذيب النفس وتفريغ الطاقات الكامنة لديهم.

وعن ما إذا كان هناك بعض الحالات التي يجد فيها المركز صعوبة في العلاج وتكرار العودة للحدث مرة تلو الأخرى قال الشايب: إن الدار تعاني من حالة هي في الحقيقة حالة أسرية أكثر منها حالة حدث، إذ أن اسر بعض الأحداث غير متعاونة.

كما أنها غير متجاوبة مع المجهودات المضنية التي تقوم بها الدار، رغم محاولات الدار لإصلاح أحوال تلك الأسرة، وتقديم أنواع الرعاية لها، وهناك حالة تشير إلى تورط اثنين من أبناء إحدى الأسر في قضية سرقة، ثم عادا مرة ثانية الى الدار عن تهم وجهت لهما.

ولا ينكر أحد طبيعة التطور التي يمر بها المجتمع، وما نجم عنها من اختلاط بين الثقافات داخل مجتمعنا، والتي فتحت الباب على نماذج سلوكية داخل الأسر لم نكن نعهدها في بيئتنا المحلية، ويساعد على ذلك عدة عوامل أهمها المستوى التعليمي للأسرة، ومدى اهتمامها بالناحية العلمية لأفرادها.

حيث أن اهتمام الأسرة بالنواحي العلمية يضفي عليها مناخا يتسم بالوعي المعرفي في شتى مجالات الحياة، ومن أهمها الوعي المعرفي بأساليب التربية الحديثة بما يتماشى مع مجريات العصر، ولذلك يحرص المركز على تعليم الأبناء وتدريبهم على استيعاب المفاهيم والمدركات الخلقية، حيث تصب جميع البرامج وأنواع الرعاية المقدمة في محو السلبيات وتعزيز الايجابيات.

عائشة الكعبي