لم يمنعهم التزامهم بالعمل أو فصول الدراسة من أن يجندوا أنفسهم متطوعين في مجالات مختلفة، فتجدهم تارة عوناً لإخوانهم من ذوي الاحتياجات الخاصة فيسعدونهم ويساعدونهم في أنشطتهم المتنوعة.

وتارة أخرى تجدهم في أعمال إدارية ينظمون باحتراف مهرجانات ومؤتمرات، وليس غريباً على الشباب الإماراتي اقتناعه برسالة العمل التطوعي، وهو الذي يقدم ولا يزال نموذجاً مميزاً في عمل الخير ومساعدة الناس وفي المقابل نرى فئة من المجتمع لا تتمتع بثقافة التطوع إما لتقصير بعض الجهات المعنية بالتطوع في تبيين أهميته أو دوره في خدمة المجتمع أو لعدم وعي هذه الفئة بأهميته.راشد الكشف وهو طالب في تقنية الشارقة ورئيس مجلس الطلاب فيها يعترف أنه كان يجهل معنى التطوع ويقول: أسمع كثيراً عن التطوع ولكنني كنت أجهل المعنى الحقيقي له حتى أخبرني أحد أصدقائي عن أهمية التطوع ومجالاته وأكثر ما جذبني إليه هو حبي للأطفال وخصوصاً ذوي الاحتياجات الخاصة فالتطوع ما هو إلا خدمة إنسانية يقدمها الشخص من دون أن ينتظر مقابلاً لها وهي في سبيل الوطن وبنائه كما أنه خدمة سامية لغير القادرين وهو جزأ لا يتجزأ من كياني.

وحول كيفية توفيقه بين الدراسة والأعمال التطوعية يقول الكشف: طبعاً الأفضلية للدراسة ولا أخفي أن التطوع أثر على دراستي لأنني كنت أستغل أيام الإجازات بالأعمال التطوعية إلا أن ما استفدته من التطوع كمفهوم وممارسة عوضني كثيراً.

ويرى الكشف أن العائد المادي يخرب مفهوم التطوع لكن هذا لا يمنع أن يحصل المتطوع على التقدير والاحترام والتشجيع من الجهة التي تطوع لديها سواء بكلمة طيبة أو شهادة تقدير، كما أن التطوع يجعل الأعمال ذات قيمة وإتقان أكثر فالمتطوع لا ينتظر عائداً مادياً يجنيه ولا مكافأة على أعماله وكل ما يرجوه هو بناء الوطن ورقيه وتطوره.

ومن وجهة نظر الكشف فإن الوعي التطوعي قليل لدى أغلب الشباب المواطن الذين يفتقرون إلى ثقافة التطوع وهذه مسؤولية الجهات التي تنظم العمل التطوعي كما أن الإعلام مسؤول عن قلة هذه الثقافة فهو لا يركز على إبراز أهمية الجانب التطوعي كما يجب.

ويدعو الكشف إلى إقامة الورش التعريفية والدعاية والمحاضرات في الجامعات فإن ذلك من شأنه أن يساهم في توعية الشباب بأهمية العمل التطوعي ونشره بشكل أكبر بين الشباب.

خدمة دون مقابل

أما علي الأنصاري موظف في القطاع الخاص التحق بالعمل التطوعي منذ ست سنوات فيعتبر التطوع تأدية واجب وخدمة من دون مقابل في سبيل رقي المجتمع وإفادته ويقول: استفدت من العمل في المجال التطوعي كثيراً فقد أشعرني بالرضا عن نفسي، فعندما أقدم خدمة من غير مقابل ينتابني شعور لا يوصف فالله أنعم علينا بكثير من النعم فلماذا لا نشكره بمساعدة الآخرين وتقديم العون لهم من غير مقابل؟

ويضيف الأنصاري: إن هدف المتطوع سام فهو لا ينتظر مقابلاً نظير خدماته الأمر الذي يجعله يتقن عمله الموكل إليه ويؤديه على أكمل وجه.

وعن مجالات التطوع التي قام بها يقول الأنصاري: تطوعت في خدمة ذوي الاحتياجات الخاصة أو مساعدة طلبة الثانوية وفي تنظيم كثير من المهرجانات الخاصة بذوي الاحتياجات الخاصة وفي مؤتمرات ومعسكرات الشباب وأخيراً مثلت الدولة في معسكر للشباب في كوريا.

وحول كيفية التوفيق بين عمله والعمل التطوعي يقول الأنصاري: العمل التطوعي مثل أي عمل آخر له مكان وزمان لكنني أنسق بين عملي والتطوع بحيث لا يؤثر أحدهما على الآخر وبما لا يتعارض مع عملي الذي هو مستقبلي.

ويوجه الأنصاري نصيحة إلى الشباب بأن يتجهوا إلى العمل التطوعي لأنه من وجهة نظره يساهم في رد ولو جزء قليل من واجبات الوطن على المواطن فهناك عدة جهات تدعم العمل التطوعي بالإضافة إلى جوائز العمل التطوعي وهي كلها تصب في تشجيع الشباب وحثهم على دخول هذا المجال ومن السهولة الاتصال بها والتنسيق معها.

جاسم الجسمي شاب متزوج ويعمل في إحدى الدوائر يقول لم يكن لدي أدنى فكرة عن التطوع غير أني كنت أسمع من الشباب عن التطوع فتساءلت في نفسي ماذا يعني التطوع وفعلاً تطوعت في مخيم الأمل الذي نظمه نادي الثقة للمعاقين.

ويرى الجسمي أن التطوع هو واجب مجتمعي ووطني وديني وعمل إنساني ويقول: لقد أكسبني العمل التطوعي خبرات كثيرة فقد كنت أتجنب الأطفال أصحاب الإعاقة الذهنية لكنني وباحتكاكي معهم تفاجأت بأن لديهم أشياء جميلة لا نجدها عند غيرهم.

ومن وجهة نظر الجسمي فإنه في الوقت الحالي بدأت ثقافة العمل التطوعي تنتشر بين الشباب وبدأت بعض المؤسسات تتبنى هذا النهج في توعية الشباب بأهمية التطوع لكننا بحاجة إلى تكثيف لهذه النشاطات وأعمال التوعية سواء من قبل الجامعات أو غيرها من مؤسسات تعنى بالشباب.

ويدعو الجسمي إلى تعاون الجامعات والمؤسسات التطوعية لتعليم الشباب وتوعيتهم بأهمية العمل التطوعي، وتوعية طلبة المدارس بأهمية العمل التطوعي.

تكاتف إنساني

علياء الرئيسي طالبة في الجامعة انضمت إلى العمل التطوعي منذ شهرين فقط وتقول: كثيراً ما كنت أتساءل، كيف يمكن أن أفيد الوطن الذي لم يبخل علي بشيء ووجدت الإجابة في العمل التطوعي فهو تكاتف بين أشخاص لعمل شيء إنساني.

وتضيف الرئيسي: مجالات التطوع كثيرة ولا تنحصر في مساعدة الأطفال وكبار السن أو ذوي الاحتياجات الخاصة فهناك أكثر من 14 خياراً أمام المتطوع منها ما هو مختص بالبيئة والتعليم والمناسبات والمهرجانات وكلها تصب في الهدف الرئيسي للمتطوع وهو تقديم المساعدة من غير مقابل.

وترى الرئيسي أن ثقافة التطوع منتشرة بين الشباب وهي بين الإناث أكثر من الذكور وترجع ذلك إلى أن الفتاة لديها الوقت الكافي أكثر من الشاب.

أميرة عباس رستم طالبة متطوعة في مهرجان صيف دبي منذ شهر وقد دخلت إلى هذا المجال عن طريق أخيها وهو من المتطوعين وقد أتاح لها التطوع تكوين صداقات وعلمها كيف ترتب أعمالها وتنظم وقتها وترى أن عمل الخير يمكن أن يكون في أي مجال من مجالات الحياة التي تتاح أمام الإنسان.

وتضيف رستم: عملت أثناء الدراسة في إرشاد طالبات الثانوية اللائي كن يأتين للتسجيل في الجامعة وكان ذلك في أيام الإجازات، فكنت أستغل أي فرصة يمكن أن تتاح لي بعمل الخير ومساعدة الآخرين.

وترى رستم أن الشباب بحاجة إلى توعية أكثر بأهمية التطوع فلا يشعر بأهميته سوى من جربه وشعر بلذة مساعدة الآخرين.

التطوع مفتاح الثواب واكتساب الخبرات

هناك آثار كثيرة للتطوع منها كسب الأجر والثواب في الدنيا والآخرة، وحل المشاكل والمعضلات وخاصة وقت الأزمات، والتكافل والتعاون بين أفراد المجتمع، الزيادة من قدرة الإنسان على التفاعل والتواصل مع الآخرين والحد من النزوع إلى الفردية وتنمية الحس الاجتماعي، تهذيب الشخصيَّة ورفع عقلية الشح وتحويلها إلى عقلية الوفرة والكسب الأعظم، يتيح للإنسان تعلم مهارات جديدة أو تحسين مهارات يمتلكها، زيادة وتحقيق الشعور بالرضا عن الذات، والتخلص من الاكتئاب، وتهذيب النفس، والإحساس بتأدية دور إيجابي في المجتمع، شغل وقت الفراغ بما يعود بالفائدة والمنفعة للغير وللنفس، مساعدة الآخرين.

ولذلك فإن الكثير من الملتحقين بأعمال التطوع يذكرون الفارق الكبير الذي لمسوه في حياتهم الخاصة والاجتماعية ومدى الخبرات التي جنوها من ورائه حيث تؤكد فاطمة عتيق محمد - موظفة أنها التحقت بالعمل التطوعي منذ سنة وترى أن التطوع أكسبها خبرات في مجالات عدة عن طريق احتكاكها بأشخاص لم تكن لتتعرف عليهم لولا عملها في التطوع وهو يعني لها تمضية وقت الفراغ بما هو مفيد كما يجعلها تشعر بأهمية ما تقوم به من أعمال خير ويساهم في تكوين الشخصية الإيجابية وبنائها.

وترى فاطمة أن الشباب المواطنين بحاجة إلى توعية أكثر بأهمية العمل التطوعي وتحفيزهم عن طريق تعليمهم بأن ما يقومون به من أعمال ما هو إلا خدمة للمجتمع وللوطن الذي هو بالنسبة لمواطنيه أهم شيء في حياتهم.

أعداد المتطوعين قليلة مقارنة بعدد سكان الإمارات

أكد عضو مجلس إدارة جمعية متطوعي الإمارات في الشارقة محمد صالح بداه أن هناك ثلاث فئات في المجتمع الأولى وهي قليلة لديها ثقافة راسخة في التطوع ومن هو المتطوع وأهمية التطوع والثانية لديها الرغبة في التطوع ولكن لم تصلها هذه الثقافة بالشكل المناسب ولا تعرف إلى أين تتجه وهناك فئة ثالثة .

وهي تمثلها المؤسسات سواء في القطاع الحكومي أو الخاص حيث بدأت هذه المؤسسات تعتمد في أعمالها على هؤلاء المتطوعين ودليل انتشار ثقافة التطوع لدى هذه الفئة هو وجود عدة جهات تحتضن وتنظم عمل المتطوعين كالهلال الأحمر الإماراتي وجمعية متطوعي الإمارات وبرنامج تكاتف والدفاع المدني ومدينة الشارقة للخدمات الإنسانية ومهرجان دبي للتسوق ومهرجان صيف دبي.

وأضاف بداه: رغم وجود هذه الجهات الكثيرة التي تعنى بالمتطوعين إلا أعداد المتطوعين لا تزال قليلة مقارنة بعدد السكان ففي الولايات المتحدة الأميركية نسبة المتطوعين تتجاوز 40% وهؤلاء يوفرون ساعات عمل ومليارات الدولارات عليها.

زاهر العلي