تمكن معرض «البحيص 18» التابع للإدارة العامة لمتاحف الشارقة وبما يحتويه من لقى أثرية مهمة وغنية وعن طريق المقبرة التي يعود تاريخها إلى سبعة آلاف عام تقريباً من عكس صورة حية لتاريخ الإنسان القديم الذي عاش في المنطقة، حيث تمكن من عكس دقائق حياة ذلك الإنسان وطرق حياته وعاداته في التعامل مع البيئة المحيطة، بالإضافة إلى تمكنه من إجراء عمليات جراحية معقدة في الرأس تشابه تلك التي تحدث في هذه الأيام.

كما أن من أكثر المكتشفات الأثرية أهمية وإثارة في البحيص، عمليات التثقيب الجراحية، حيث تم فيها إبعاد العظم عن الجمجمة (القحْف) للتخفيف من الآلام الناجمة عن الجروح في الدماغ أو الأمراض. وتشير الدلائل أيضاً إلى أن الجروح التي خلفتها هذه العمليات الجراحية في اثنين من ثلاثة مرضى شفيت تماماً، الأمر الذي يعد إنجازاً حقيقياً في تلك الفترة التي يعود تاريخها إلى ما يقارب 7 آلاف سنة مضت، ومن هنا فإن الأدلة تشير إلى أن إجراء مثل هذا النوع من العمليات يقود إلى حقيقة وجود مجتمع منظم ذي مهارات فنية وفكرية خاصّة فيما يتعلق بالعناية والرعاية الطبيتين. ويقع جبل البحيص في المنطقة الوسطى للشارقة على الطرف الغربي من سلسلة جبال الحجر التي لعبت دوراً مهماً في تاريخ شبه الجزيرة العربية وتم فيها العثور على عروق النحاس الكبيرة، كما تم استخراج هذا المعدن في العصرين البرونزي والحديدي وهو ما جلب الشهرة والثراء إلى المنطقة، كما يتميز جبل البحيص بوجوده على منحدرات هذه الجبال، حيث تم العثور على عدد كبير من القبور التي تعود إلى عصور ما قبل التاريخ وهذا ما زود خبراء الآثار بمصدر جديد من المعلومات المتعلقة بتاريخ شبه الجزيرة العربية القديم.

وتمكنت حملات التنقيب في الموقع والتي تمت من قبل باحثي إدارة آثار الشارقة وبالتعاون مع جامعة توبنغن الألمانية من العثور على لقى أثرية كثيرة أخضعت لتحاليل مخبرية متخصصة في هذا المجال للتوصل إلى استنتاجات غنية تسهم في التعرف بشكل أكبر على حياة القدماء في منطقة الشارقة، من خلال ما تقدمه من بيانات واستنتاجات تعتبر ذات أهمية تاريخية تبرز المشكلات التي كانت تواجه سكان البحيص القدماء، والحلول التي توصلوا لها في هذا المجال والتي تعتبر ذات صلة وثيقة بيومنا الحاضر، حيث تمكنوا من إيجاد معايير عالية فيما يخص العلاقات الأسرية التي انعكست في طقوس الدفن لديهم، وأصبحت هذه الفضائل تمثل جزءاً مهماً من تاريخ العادات والتقاليد العربية المملوءة بالثناء والتمجيد وكل هذا تم دون أن يدمروا بيئتهم الطبيعية التي تختص بها منطقتهم.

ولقد ظلت الشارقة مكاناً يحتضن الكثير من المكتشفات الأثرية المهمة، ومحط أنظار الباحثين عن الآثار والمكتشفات خلال العقدين الماضيين، حيث يعتبر اكتشاف مقبرة واسعة من العصر الحجري الحديث في جبل البحيص الواقع في المنطقة الوسطى من إمارة الشارقة، أحد أبرز هذه المكتشفات.

حيث تم تنقيب هذا الموقع ابتداء من العام 1995 ولغاية 2005 من قبل بعثة مشتركة من إدارة الآثار في دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة ومعهد الدراسات الأثرية لما قبل التاريخ والعصور التاريخية والوسطى في جامعة تيوبنجن الألمانية.

ويعتبر الموقع المسمى »البحيص« موقعاً رئيساً لدراسة وفهم فترة أواخر العصر الحجري القديم في منطقة جنوب شرق الجزيرة العربية، وفي هذا الوقت ما بين حوالي 5000 و4000 أي قبل حوالي 6000 إلى 7000 سنة قبل الوقت الحاضر، وكان هناك أقوام بدوية تحط رحالها بشكل موسمي في منطقة جبل البحيص كي يأخذوا قسطاً من الراحة مع قطعانهم من الأغنام والماعز والماشية في طريقهم بين الساحل وسلسلة جبال الحجر.

وكذلك فإنهم استخدموا هذا الموقع لدفن موتاهم في المقبرة التي أقاموها هناك، حيث تركوا أيضاً العديد من البقايا التي تنم عن أسلوب حياتهم وتراثهم الثقافي والذي يبدو بوضوح بأنه كان مختلفاً تماماً في مثل هذا الزمن المبكر، وبناء على ذلك فإن هذا الموقع كان الموضوع الرئيسي الذي تمحور حوله المعرض الأثري الذي تم افتتاحه حديثاً في متحف الشارقة للآثار حيث تم عرض بعض المكتشفات الأثرية للاطلاع عليها من قبل الجمهور.

أدوات حجرية للاستخدام الحياتي

ودلت الدراسات المخبرية التي أجريت على المنطقة أن أهل البحيص ينتمون إلى فترة زمنية تعرف باسم (العصر الحجري ما قبل الفخاري)، فقد كانت كل أدواتهم مصنوعة من المواد الموجودة بشكل جاهز في الطبيعة من حولهم مثل الحجر والخشب والعظم وألياف النباتات والشعر والجلد، أما الأدوات التي صنعوها من المواد العضوية فقد اندثرت ولم تبقَ إلى يومنا هذا، وقد تم العثور على عدد كبير من الأدوات الحجرية في الموقع كالإبرة العظمية التي تعتبر لقية نادرة والتي يرجح أنها استخدمت في خياطة الجلود والملابس البدائية.

وأشارت اللقى إلى أن أوائل سكان هذه المنطقة آمنوا بالحياة بعد الموت ولذلك تم دفنهم مع ممتلكاتهم الثمينة لكي يستعملوها في حياتهم الأخرى، فقد تم العثور على عدد هائل من الزينة الشخصية في المدافن الرئيسة غير المبعثرة فقد عثر على ما يقارب 5 آلاف صدفة لحلزونات و19 ألف خرزة مختلفة من ضمنها عدد من الخرز الأنبوبي المصنوع من الصدف الأبيض وحجر الصابون الأسود والرمادي، كما عثر على مجموعة من بعض الخرز ذي الشكل البرميلي وغيرها من الأشكال، إضافة إلى عدد من اللآلئ والحجارة شبه الكريمة كالعقيق الأحمر، وهذا كله يؤكد أهمية البحر بالنسبة إلى بدو البحيص.

جراحات معقدة

من أكثر المكتشفات الأثرية أهمية وإثارة في البحيص، عمليات التثقيب الجراحية، حيث تم فيها إبعاد العظم عن الجمجمة (القحْف) للتخفيف من الآلام الناجمة عن الجروح في الدماغ أو الأمراض، وقد تم العثور على ثلاث جماجم يظهر فيها استعمال هذا النوع من الجراحة، حيث استعملوا الصوّان المشذب حديثاً في عمليات الكشط والتثقيب وإحداث الشقوق في الجمجمة، واستعملوا الصوّان كأداة معقمة نسبيّاً للتقليل من حدوث الالتهابات.

كما تشير الدلائل إلى ترجيح أنهم قاموا باستعمال بعض المواد المخدرة من أنواع معينة من الأعشاب لتخفيف الآلام. وتشير الدلائل إلى أن الجروح التي خلفتها هذه العمليات الجراحية التي يعود تاريخها إلى ما يقارب 7 آلاف سنة في اثنين من ثلاثة مرضى شفيت تماما.